تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الحيوية وجمع الهمة وضع الصوفية مريدهم على أول الطريق طالبين منه التوبة كاشفين له النقاب عما في أغوار النفس البشرية من سيئ الخطرات ودقيق الآفات ، وبذلك قدموا حلا لمشكلة العمل التي عجز عن حلها فلاسفة الأخلاق العقليين وقد جعلوا لأنفسهم مكانا بين المذاهب الأخلاقية العملية كمدارس صغار السقراطيين والرواقيين . ولكن الصوفية بدورهم قد شغلوا بالعمل عن التفكير النظري في أصول الاعتقاد أو ميتافيزيقا الأخلاق ، أما الذين شغلوا منهم بهذه الأصول فقد قطعوا كل صلة ممكنة بالعمل أو قدموا نظريات تصوفية غير عملية على الإطلاق ، وأما الذين شغلوا بالعمل فقد أحسوا بفراغ الاعتقاد فاستعاروا معتقدات بعض المذاهب الكلامية ، والأشاعرة على الخصوص ولكن هذه تبدو أحيانا غير متسقة مع الذوق الصوفي ومن ثم فإنهم بصدد الأصول الأولى لا يقدمون حلا لكثير من المشكلات النظرية التي قد تجول بخاطر المريد وهم في ذلك يحطون من قيمة العقل وقدرته على الوصول إلى الحقيقة ، بل لقد ذهب بعضهم إلى احتقار العلم النظري ، وعدوه حائلا دون الكشف الذوقى والفيوضات الإلهية الأمر الذي أدى إلى شيوع الأدعياء والجهلة خصوصا في عصور الانحطاط ولقد عرض الغزالي نقد الفلاسفة للصوفية بقوله : إذا لم تكن النفس قد ارتاضت بالعلوم الحقيقية البرهانية اكتسبت بالخاطر خيالات تظنها حقائق تنزل عليها . فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه ولو كان قد أتقن العلوم أولا لتخلص منه على البديهة « 1 » ومع ميل الغزالي إلى الصوفية فإنه لا يجد ردّا على هذا النقد إلا بقوله : أولى بأكثر الخلق الاشتغال بالعمل والاقتصار من العلم على القدر الذي يعرف به العمل مع أنه قد ذكر بعد ذلك فضل الفكر على التعبد والعلماء على العابدين
هامش
( 1 ) الغزالي : ميزان العمل ص 44 .