العلماء في علمه أو من يخالفه رأيه ، فما قوله إلا من خبث الباطن وخداع النفس .
وليس من دلالة على حسن طوية العالم وطهارة نفسه من الكبر أبين من أنه إذا حل غيره في مجلسه من العلم لغيابه ثم تفوق عليه علما ألا يغتم لذلك بل أن يسر أن هدى اللّه إلى الناس من يحبهم في العلم والدين .
وقد يطلب العالم الزلفى لدى الحكام متوددا إليهم مثنيا عليهم متواضعا لهم مدعيا أن ذلك لقضاء مصالح الناس ودفع الضرر والمظالم عنهم مع أنه قد أهان العلم لما لحقه من ذل السعي والتوسل لدى الحجاب والوقوف منتظرا على الأبواب حتى إذا وصل إلى الذي قصده غرته فتنة الدنيا فآثرها على علمه ودينه .
وإذ افتتن كثير من العلماء وابتلوا بهذه الآفات فلم يتفقدوا بواطنهم فإنهم بذلك قد وقفوا عند قشور العلم وظاهره إذا احتجب عنهم نفعه ونوره ، لقد لبسوا ظاهر حليته وقصروا عن محض حقيقته .
وكثيرا ما يشغل العلماء بطرق المجادلة وإفحام الخصوم ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة فيكون همهم تفقد عيوب الخصوم وسبهم وإيذاءهم لا يقصدون من العلم إلا ضرورة ما يلزمهم للمباهاة والمجادلة ، لقد قطعوا أعمارهم في تعلم الجدل والبحث عن المقالات وأهملوا أنفسهم وقلوبهم حتى عميت عليهم ذنوبهم وخطاياهم الظاهرة والباطنة يتوهمون ذلك للعلم ولوجه اللّه بينما هو لالتذاذهم بالغلبة والإفحام وطلب الرياسة « 1 » .
وبعضهم قد شغل بغريب الألفاظ وتسجيل العبارات وتنميق الجمل حتى يبهر الناس بعلمه مع أن ذلك من قشور العلم التي لا يقف عندها إلا مغترّا أما حقيقة العلم فلتصحيح العمل وتصفية النفس من الآفات « 2 » .
هامش
( 1 ) الغزالي : الإحياء ج 3 ص 336 .
( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 3 ص 1 340 .