تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
ومنهم من أحكم العلم والعمل فواظب على الطاعات الظاهرة وترك المعاصي إلا أنه لم يتفقد قلبه ليمحو عنه صفات الكبر والحسد والرياء وإرادة السوء للأقران والنظراء وطلب الشهرة بين العباد . ومنهم من يتنبه إلى ضرورة تنقية الباطن فيتكلم في أخلاق النفس وخطرات القلب ويظن أنه قد وقف على خفايا النفس وأنه قد برئ منها إنه يصف الإخلاص فيترك الإخلاص في الوصف ، ويصف الزهد في الدنيا لشدة حرصه على الدنيا ، بل قد يسترسل في وصف ذميم صفات النفس لأن نفسه تجد اللذة في الذم والاسترسال في وصف الرذيلة . وفريق آخر أحكم العلم وطهر الجوارح وتزين بالطاعات واجتنب ظواهر المعاصي وتفقد صفات النفس وجاهد في اقتلاع آفاتها ولكن بقيت في زوايا الباطن خفايا غمض عن إدراكها ولم يفطن لها ، إنه يطلق لسانه في العصاة والمذنبين لا عن تفجع بمصيبة أو غضب لفضيلة وإنما عن إدلال بالتميز واعتزاز بالتبري « 1 » . وتعترى شرور الباطن العابدين كما تعترى العلماء ، فمن المريدين من وقف في طريق التصوف عند القشور دون اللباب إذ تشبه بالصوفية في زيهم وهيأتهم وقلدهم في ألفاظهم ومواجيدهم وفي آدابهم وأحوالهم دون أن يتصب نفسه في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير النفس . ومنهم من سخت نفسه بالعزم على الإخلاص في العمل ولكنه اكتفى بالعزم ولم يتبين أن مجرد العزم على العمل ليس بعمل ثم يزعم أن اللّه مستغن عن العمل وأن اللّه ينظر إلى القلوب وأنه مع الشهوات بالظاهر دون الباطن إذ ترقى عن رتبة العوام ، ذلك من غرور المتواكلين وفجور الإباحيين المستهينين بالأعمال .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ج 3 ص 334 .