العجب بالنفس :
وإذا كان الرياء في الحرص على حمد المخلوقين فإن النفس البشرية قد يهيج بها الذكر لحمد ذاتها فتعجب بما يصدر عنها من أعمال فتستكثر العلم وتستعظم العمل ، تلك آفة تركن الإنسان إلى الغرور والاختيال ، فإذا أعجب الإنسان بنفسه لم يفطن إلى ذنوبه وما فطن إليه يستصغره ، فلا يتوب عن ما لم يفطن إليه ولا يقلع عن ما استصغره ، إنه إن أعجب بنفسه زكاها فلا يتهمها مع أنه ما من عمل فاضل إلا وهوى النفس في خلافه « 1 » ، حتى الأعمال التي لا تعب للنفس فيها كترك الغيبة والسكوت عن الخوض في الباطل فإنها تشغل النفس عن محبتها وهواها .
فلا مبرر للعجب للنفس إذا كانت لا تؤدى الطاعات إلا وهي مكرهة عليها وإلا فكيف تنسب ذلك إلى ذاتها حتى تفرح بها .
وليس من شئ يفسد على العاملين عملهم إلا حمد النفس ونسيان النعم ولأن يبيت الإنسان عاصيا ويصبح نادما خير له من أن يبيت عابدا قائما ثم يصبح متعجبا .
وليس من داء دفين يخشى على الإنسان عاقبته مثل العجب بالنفس . قيل لداود الطائي : أرأيت لو أن رجلا دخل على أمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر ؟ قال أخاف عليه السوط ، قيل له :
إنه يقوى ، قال : أخاف عليه السيف ، قيل له : إنه يقوى ، قال :
أخاف عليه الداء الدفين العجب بالنفس « 2 » .
وإذا كان الرياء محبط العمل فإن العجب يفتر الهمة عن السعي والاجتهاد في العمل ، إذ يظن الإنسان أنه فاز أو أنه قد استغنى فيقعده ذلك
هامش
( 1 ) المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه ص 299 .
( 2 ) ابن الجوزي : صفة الصفوة ج 3 ص 80 .