وغالبا ما يكون الحسد بين ذوى القربى والجيران وأهل الحرفة الواحدة ، فالعالم يقع في العالم والعابد في العابد خوفا أن يترأس عليه ، فيحب أن يهتك اللّه ستره أو تلحقه كارثة حتى لا تقوم له منزلة أو تثبت له رئاسة ، وقلما يكون الحسد بين الأباعد إنما يحسد الأخ أخاه والصانع صاحبه في صنعته وكذلك أهل التجارات ، بل إن القوم يحسدون عالمهم الذي نشأ بينهم ويعظمون العالم الغريب لأنه ليس منهم ولا يساويهم في نسب أو جوار .
على أنه ليس التنافي في صالح العمل حسدا ، فإن اغتم لأنه لم يلحق بأخيه في الفضل وصالح العمل دون أن يتمنى زوال النعمة عنه فذلك خير حيث كراهة القصير والجد في العمل .
وشر أنواع الحسد ما كان تعبيرا عن مجرد شح النفس وقلة سخاها بالخير للناس فلا يحسد لمعنى عداوة أو رغبة في رئاسة وإنما يغتم لمجرد أن يرى نعمة اللّه على غيره ، ذلك قد طمس على بصيرته فلا يصدر الخير عنه أبدا ومن ثم كان الحسد أشد شرور النفس خبثا ، إنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب .
ولو أدرك الحاسد أن الحسد لا يزيل النعم وأن المقادير لا تجرى وفق هوى الحاسدين وإلا لما بقيت على إنسان نعمة وأن شر نفسه سيرتد عليه لفقدان سلامة الصدر من شر الحسد لو أدرك ذلك لما وجد للحسد مبررا ولكان له كارها مستبعدا .
هكذا يكشف الصوفية الستار ببصيرة نافذة وكشف ذوقي عن أغوار النفس البشرية وما يعتلج فيها من شرور ، لم يحجبهم عن ذلك خير ظاهر على الجوارح وإنما طلبوا ما وراءه من بواعث ، ولا شك أنهم فضحوا كثيرا من أدعياء الزهد والعلم والعبادة ولكنهم قصدوا أن ينبهوا المريدين إلى عثرات الطريق وخطرات السوء .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 285
مساهمون: أحمد محمود صبحي
ص٢٨٥