تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
متبوع ومقتدى به فيظهر الخشوع ويحسن العبادة ويتظاهر بالصلاح ولو خلا إلى نفسه ما فعل ذلك أو قد يفعل ولكنه يتزيد في العمل أمام الناس وينشط فيه ، ذلك محض تلبيس لأنه إذا كان لا يرضى لغيره ترك الخشوع للّه أمامه فلم يرضاه لنفسه في الخلوة . ومن خفى الرياء أن تخدعه النفس فتدعوه إلى ترك العمل حذر الرياء بينما ليس من الإخلاص ترك العمل بدعوى الإخلاص ، ذلك أن من شرط الإخلاص استواء السريرة والعلانية فلا يلتفت إلى الخلق لانشغال همه بالحق ، يقول الفضيل بن عياض ترك العمل بسبب الخلق رياء وفعله لأجل الخلق شرك « 1 » ، وقد يظن أن الملامتية كانوا يفعلون ذلك ولكنهم لم يكونوا يخفون صالح أعمالهم عن الناس باسم الإخلاص من حيث إن النفس لديهم دائما متهمة أطاعت أم عصيت ، فلم يكونوا يكتمون عن الخلق محاسنهم خشية أن يتهموا من الناس بالرياء لأن ذلك فعل قد جمع صاحبه إلى جانب الرياء سوء الظن بالناس ولكن الملامتى لا يدع العمل وهو مع الناس أو في الأسواق من حيث إن قلبه في الحقيقة متعلق باللّه ، فضلا عن أنه قد شغل بعيبه عن عيوب الناس « 2 » . ويبلغ الرياء أقصى درجة من الخفاء حين تسول النفس للإنسان أن يخلص للّه أمام الناس لا أن يجتهد في العمل من أجل الناس فتحثه على العمل وتتهمه بالغفلة زعما أن ذلك للّه . فيظن أن ذلك عين الإخلاص ، ولو كان كذلك للازمته تلك الخطرة في الخلوة ولكان لا يختص حضورها حال حضور غيره ، ذلك مما يعكر صفو الإخلاصى ويدنس الباطن ، إذ لا يكون الإخلاص إلا بنسيان رؤية الخلق إلى العمل وفقد رؤية النفس الإخلاص فيه ، فإن من رأى في إخلاصه الإخلاص فقد
هامش
( 1 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 330 . ( 2 ) دكتور أبو العلا عفيفي : الملامتية والصوفية وأهل الفتوة ص 50 - 54 .