تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
ومن خدع النفس إن أراد أن يستر رياء ألا يرائى بذلك صراحة وإنما يكون حديثه تلميحا يهدف من ذلك أن لا يظن به الناس الرياء ويتوهموا بعده عن الرياء ليحمدوه . والعلماء أشد الناس عرضة لفتنة الرياء إذ الباعث لأكثرهم على طلب العلم لذة الاستيلاء والفرح والاستتباع ومن ثم يحب العالم من الناس أن يعظمونه لعمله ويغضب على من لا يعظمه ويكره من ينتقد عملا له . ثم هو يريد أن يبدأ بالسلام وأن يرخص له عند البيع وأن يتجاوز له عن الثمن ويركن إلى ذلك ويستثقل من لم يفعل به ذلك ويرى أن من لم يقض حوائجه جاهل لا يقدر العلم وكل ذلك محبط للعمل ، يقال للقراء يوم القيامة : ألم يكن يرخص عليكم السعر أو لم تكونوا تبدءون بالسلام ، ألم تكن تقضى لكم الحوائج . لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم « 1 » . فليس من شئ يدخل على نفوس العلماء الطغيان كسرورهم بتبجيل الأتباع إياهم بل ذلك أكثر مما يدخل على أهل الأموال من الأموال ، ومن ثم كان أشد الناس حجابا على اللّه ثلاثة : عالم بعلمه وعابد بعبادته وزاهد بزهده « 2 » . ومن الرياء أن يترك الرجل بعض ما يجهله من دينه كراهية أن يقال جاهل بهذا ، وقد حمله خوف المذمة على أن يفتى في الناس بغير علم أو يدع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . فالرياء أشد خفاء من دبيب النمل ولا يعرف إلا بشدة التفقد ونفاذ لبصيرة ، فقد يتخلص العبد من أولى درجاته ، وأوضح معالمه أن يتحرى نظر الخلق إلى عمله ولكن ما خفى منه يستتر عليه فيعتقد في نفسه أنه
هامش
( 1 ) المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه ص 175 . ( 2 ) السلمى : طبقات الصوفية ص 97 ( عبارة البسطامي ) .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 276 | أحمد محمود صبحي