تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
احتاج إخلاصه إلى إخلاص « 1 » . وليس الرياء مصاحبا للنية فحسب أو قد يتخلل العمل بعد الدخول فيه حين يتزيد الإنسان في العمل ولم يكن يقصد الناس وقت الشروع في العمل وإنما قد تخطر خطرة الرياء بعد الفراغ منه إذ يحدث به إرادة حمد المخلوقين ، ذلك محبط للعمل
« لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى »
« 2 » . ولكن هل يقتضى الرياء كتمان جميع الأعمال ؟ ذلك ما لم يقصده الصوفية ، حقيقة أنهم في أحوال كثيرة يفضلون عمل السر ولكن عمل العلانية قد يكون لازما للقدوة فيكون للفاعل أجره وأجر من تبعه ، كيف وما من دعوة لنبي أو مصلح إلا بإعلام الغير ، وإذا كان كل إنسان راعيا مسؤولا عن رعيته فالرجل في بيته راع مسؤول عن أهل بيته فإنه لا بد من عمل العلانية من حيث هو إمام أهله ، أما حيث لا تكون القدوة فعمل السر أفضل ، ذلك أحرز للعاملين وأبعد عن خطرات الرياء وإن كان في عمل السر أو العلانية يجب ألا يتحرى إلا وجه اللّه مستبعدا نظر الناس . ولا يزال المخلصون مراقبين لسريرتهم عاملين على استئصال جذور الرياء في بواطنهم بخصلتين من الرياء والكراهية ، أما إباء الرياء فذلك بمعارضة إرادة النفس له ، وكيف لا يأباه الإنسان ويكفيه أن لو علم الناس ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه فضلا عما يورثه في القلب من القسوة والرين وما يلحقه بالعمل من إحباط ، فإن أدرك ذلك كره الرياء بعد أن كان شهوة نفسه ، على أن ذلك لا يعنى أن يضيع جهده ووقته في صراع هوى النفس وداعى الرياء وإنما أن يكون باللّه متعلقا ليكون للّه خالصا .
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 95 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 264 .