فيستر فجره بطاعته فلا يصدق أحد ما يتهم به . ذلك إنسان قد بلغ من الشر والفجور ما لم يبلغه المصر على الذنوب والمجاهر بالمعاصي « 1 » .
تلك أخطر درجة من السلوك لا تصدر إلا عن فساق ، أما إن كان الرياء في أصل الدين أو التوحيد فتلك درجة النفاق .
على أن النفس البشرية وإن أكرهت على الطاعة والبعد عن الشهوات فإنها لا تدع شهوتها الخفية ولذتها الكامنة في التخلق بالخلق أمام الناس طلبا لحمدهم ، ذلك عمل ظاهره الخير وباطنه الشهوة ، يقول الرسول :
أول من يسأل يوم القيامة ثلاثة : رجل أتاه اللّه العلم فيقول اللّه تعالى ما صنعت فيما علمت فيقول يا رب كنت أقوم به آناء الليل وأطراف النهار فيقول اللّه تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم ألا فقد قيل ذلك ، ورجل أتاه اللّه مالا فيقول اللّه تعالى لقد أنعمت عليك فما ذا صنعت ، فيقول يا رب كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار فيقول اللّه تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ألا فقد قيل ذلك ، ورجل قتل في سبيل اللّه فيقول اللّه تعالى ما ذا صنعت فيقول يا رب أمرت بالجهاد فقاتلت حتى قتلت فيقول اللّه كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع ألا فقد قيل ذلك . . أولئك أول خلق تسعر نار جهنم بهم يوم القيامة « 2 » .
ومن مظاهر الرياء أن يرائى الإنسان ببدنه إذ يتظاهر بضعف الصوت وذبول الشفتين ليتوهم الناس اجتهاده وصيامه وقيامه أو يرائى بزيه إذ يلبس زي الصوفية والنساك أو يرائى بقوله أو بعمله أو بمن يصاحبهم كل ذلك بأن يحب أن يعرف له قدره وأن يحسن ذكره .
هامش
( 1 ) المحاسبي : الرعاية ص 181 .
( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 322 .