الإخلاص وخاطر الرياء متضادان يتدافعان بالضرورة حتى إذا تساوى الباعثان عاد إلى ما كان فلم يكن له ولا عليه ، أما إذا كان الباعث الثاني تابعا لنية يراد بها وجه اللّه فليس ذلك محبط العمل ، ولكنه لا يتساوى مع من لا يلتفت قلبه إلى غير وجه اللّه أصلا ، ذلك أن الإنسان إذا أشرك في العمل غير وجه اللّه فقد شابت نيته حظوظ النفس وأورد بذلك علمه موارد الشبهات وبات في خطر لأنه لا يدرى أي الأمرين أغلب على قصده فقد يكون ذلك وبالا عليه ولكن
« فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً »
« 1 » ، أي لا يشرك في العمل الصالح غير وجه اللّه « 2 » ومن ثم فإن الصوفي من أجل أن تخلص النية لديه لا يستبعد خطرات السوء كالعجب والرياء فحسب ولكنه يستبعد البواعث جميعا عدا وجه اللّه مهما سمت الخواطر الباعثة ، إنه لا يطلب عوضا في الدارين ولا حظّا من الملكين ولا شيئا من نعيم الدنيا أو الآخرة إذ لا يكون الإنسان في عمله خالصا مخلصا إلا إذا صفت نفسه عن العلائق واستتر بعمله عن رضا الخلائق .
تلك نظرية في النيّة الخالصة سبق بها الصوفية الفيلسوف كانط في نظريته الإرادة الخيرة سبقا بعيدا ، بل ليس مجرد السبق الزمنى فحسب إنما قدموا تحليلا رائعا لبواعث السلوك كاشفين عن أغوار النفس من أجل ضمان صفاء النية وصلاح الإرادة ، أما كانط فإنه بعد أن أرجع الحكم الخلقي إلى الإرادة حيث يكون الفعل خيرا أو شرّا ببواعثه لا بعواقبه لم يفصح عن ماهية صلاح الإرادة ، ويبدو أن الإرادة كباعث داخلي لا يمكن تحليلها إلا بدراسة سيكو أخلاقية قائمة على منهج ذوقي استبطانى حتى يمكن كشف النقاب عن دقائق النفس وخفاياها ، ولكن كانط اكتفى باستبعاد نزعات الحس والعاطفة من جهة وبالاهتمام بفكرتى الكلية
هامش
( 1 ) سورة الكهف : آية 11 .
( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 313 و 329 .