تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
تحرك الإرادة وتقوى الرغبة إلى الفعل الذي تعتقده محققا لغرضها ، فإذا كانت النية كذلك وإذا كانت هي أساس العمل وبها قوامه فإنها أفضل من العمل ومن ثم فقد وجب أن تخلص النية وأن تصفو القلوب من شوب الأقذار حتى لا تفسد الأعمال « 1 » . على أن ذلك لا يعنى أن لا قيمة للعمل في ذاته ، فالأفعال التي هي معاصي لا تتغير عن موضعها بالنية ، إذ أن النية لا تؤثر في إخراج الفعل عن كونه معصية أو عدوانا أو ظلما وقد تسول النفس للإنسان ذلك فيرتكن إلى فساد العمل أو عدم أداء الواجبات مبررا ذلك بسلامة النية ، ذلك من خدع النفس ومن خفاء الشهوة وباطن الهوى ، والواجب عدم الاغترار وإنما التفطن بالأسرار والتبصر بالأغوار ، وقد يريد أن يدع المعاصي ولكن النفس لا تسخو للتوبة فيعتقد أن مجرد النية كاف ولكن ذلك من قصور الهمة وضعف الإرادة « 2 » . وليست النية تسبق العمل فحسب ولكنها تصاحبه ، فقد يشرع المريد في الطاعة أو العبادة ونيته خالصة للّه لم تخطر بباله خطرة رياء كأن يجد في نفسه السرور لحمد المخلوقين له فتقوى همته للعمل ، ذلك مما يفسد النية بل قد يحبط العمل ومن ثم وجب أن يجدد النية فيجعلها خالصة للّه زاهدا في حمد المخلوقين ذلك أبعد له من الغفلة حتى يفرغ من العمل فيختمه بالإخلاص لأن العبرة في الأعمال بخواتيمها . وينبغي لكي يتحقق المريد من أن النية خالصة أن يميز بينها وبين النيّة التي تشوبها الشوائب والكدورات . فإذا انفرد الباعث الواحد وتجرد فلا يكون للإنسان في القيام بالعمل من نيّة غيره وتلك نيّة خالصة لأنها خلصت من مشاركة غيرها من البواعث .
هامش
( 1 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ص 314 . ( 2 ) الحارث المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه ص 205 / 206 .