خطرة من الخطرات تشوب العمل يبتغى بها غير وجه اللّه مخرج العمل عن حد الإخلاص ، فالطاعات مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها حين ينوى بها وجه اللّه ، فإن نوى الرياء صارت معاصي لأن ذلك من خفى الشهوة وباطن الهوى ، ولأن ذلك من مظاهر الشرك باللّه حين أشرك مع اللّه في قصد الفعل غيره ، ذلك هو الشرك الخفي .
كذلك تصغر قيمة الفضائل وتعظم وفقا للنية فرب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية فلا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له « 1 » .
ومن ناحية أخرى فإن النية في ذاتها بصرف النظر عن العمل تعد خيرا أو شرّا ، ولذا فإن من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له ، لأن همّ القلب دليل ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى ، كذلك من هم بسيئة فهي سيئة ، فإن من هم أن يقتل مسلما ثم مات قبلها فإنه يحشر على نيته ويحاسب على همته ، ومن استدان وهو لا ينوى قضاء الدين فهو سارق .
وإذا كانت الأعمال بالنيات ، بها تصلح وبها تفسد وبها تعظم وبها تصغر ، فإن النية بحركات القلوب أشرف من العمل بحركات الجوارح ، يقول تعالى :
« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »
« 2 » ، فأخبر سبحانه أن المقصود من إراقة دم القربان ليس الدم واللحم بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا لوجهه ، وليس وضع الجبهة على الأرض حال السجود غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث إنه يؤكد صفة التواضع في القلب ، وليست النية حديث لسان يظن به الإنسان صلاح الأعمال وإنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه خيرا لها عاجلا أو آجلا ومن ثم فإن النيّة
هامش
( 1 ) السهروردي : عوارف المعارف ج 1 ص 235 .
( 2 ) سورة الحج : آية 37 .