تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وإذا اجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد فتلك مرافقة البواعث كأن يسأله قريبه الفقير حاجة فيقضيها له لفقره وقرابته ولولا فقره لكان يقضيها لمجرد القرابة ولولا قرابته لكان يقضيها لمجرد الفقر ، أو بدع المسكرات خشية اللّه وخوف الضرر وكان يدعها لو انفرد أحدهما . أما إن اجتمع الباعثان ولكن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكن بمجموعهما يتم العمل فتلك مشاركة البواعث كأن يقصده قريبه الغنى فلا يعطيه والفقير الغريب فلا يعطيه ثم يقصده قريبه الفقير فيعطيه فيكون أداء العمل بمجموع الباعثين وهو القرابة والفقر ، وكأن يتصدق الرجل بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ولو انفرد أحد الباعثين لا يبعثه على العطاء . وقد يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه والثاني لا يستقل ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة ، كأن يجد الإنسان في نفسه فتورا في أداء العبادات أو فعل الطاعات ولكنه يفعلها لو كان منفردا غير أنه يسهل عليه العمل في جماعة لمشاهدتهم له وكالغزاة يقصدون الجهاد ويقصدون الغنيمة ولكن الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية أي أن الباعث الثاني قد أصبح معينا . ذلك تحليل للبواعث باعتبارها علل الأفعال والداعية إليها ، فما الحكم الخلقي لدى الصوفية على الفعل في كل منها ؟ لقد تبين أن النية إما أن تكون خالصة إذا انفردت أو تجردت فإن تطرق إليها باعث ثان فقد يكون رفيقا أو شريكا أو معينا . كل ما يشوب صفاء النية والإخلاص في العمل فهو منقص من قدره ومن استحقاق الثواب عليه ، فإذا اصطنع الإنسان المعروف ليحمد ويؤجر يقال له : خذ أجرك ممن عملت له فاللّه أغنى الأغنياء عن الشريك فيحبط من العمل القدر الذي يساويه لغير وجه اللّه ، ذلك أن خاطر
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 271 | أحمد محمود صبحي