تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

الفصل الثالث في أن الأفعال تحسن أو تقبح بالنية

الباطن سلطان الظاهر المستولى عليه وخطرات القلب تسبق أفعال الجوارح ، بل ليست هذه إلا آثار عن تلك الخطرات ومن ثم فإن الأصل إن صلح فقد صلحت آثاره وإن فسد كانت الآثار فاسدة « 1 » ، يقول الرسول : الإنسان عيناه هاد ، وأذناه ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريد والقلب منه ملك فإذا طاب الملك طابت جنوده « 2 » ، وإذا كانت القلوب كذلك فقد وجبت مراقبتها لتطهيرها مما ران عليها من آفات النفوس وظلمات الطبائع . وإذا كانت الخطرات في منشئها اضطرارية فإنها في دور القصد ليست كذلك ومن ثم فإن الإنسان مسؤول عما يعترض قلبه من الخبائث الخفية كما أنه مسؤول عن نيته فلقد أشار اللّه إلى الفؤاد مع السمع والبصر وقال :
« كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا »
« 3 » . كذلك أشار إلى أن الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى ، ذلك أن العمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا أو شرّا وإن تعذر العمل بعائق . بل قد يكون العمل واحدا ولكن يتفاوت الحكم عليه خيرا خالصا أو مشوبا بشر تبعا للنية ، فالرجل يقاتل للدنيا أو يقاتل حمية أو يقاتل عصبية كل ذلك محبط للجهاد إذ أعوزه إخلاص العمل للّه ، وما من طاعة مهما عظمت إلا وقد حبطت إذا شابتها الرياء ذلك أن أية
هامش
( 1 ) ابن خلدون : شفاء السائل ص 6 . ( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 3 ص 19 . ( 3 ) سورة الإسراء : آية 36 .