يقبل خطرة الخير بعد التثبت حتى لا تكون داعية إلى طاعة وفي حقيقتها معصية أو إلى منافسة وهي حقد أو إلى إخلاص وهي رياء ، أما خطرات السوء فقد وجب أن يصرف النفس عنها « 1 » .
والتثبت بالعقل مسترشدا بنور اللّه ضروري في الخطرة حتى لا يلتبس عليه الأمر ويشتبه عليه وجه الخير حين تسنح ، وإن مداومة محاسبة النفس ورعاية القلب يجعله يميزها في مثل لمح البصر ، أما إن التبس عليه الأمر فقد لزم الحذر والترقب ولكن الخطرات عادة لا تختلط ولا يشتبه الأمر على الإنسان إلا لضعف اليقين أو قلة العلم بسرائر النفس أو نتيجة متابعة الهوى أو محبة الدنيا ، فإن عصم عن هذه الأربعة استطاع أن يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان « 2 » ، فمجاهدة النفس واجية حتى تسكن هواجسها فيتلقى القلب الإلهام ويلقن خطرات القلب « 3 » ، ولا يزال العبد يجاهد نفسه ويخالف هواه حتى يحمى الجوارح من المكاره ثم من الفضول فيطهر الباطن ويخنس الشيطان وتسكن الهواجس ، أما من غلبت عليه حب الدنيا وكان أكله من حرام فإنه لن يميز بين الوسواس والإلهام .
على أن ليست كل حاجات النفس هواجس من حيث إن لها حقوقا وحظوظا ، أما حقوقها فما به قوامها وبدونه تلفها ومن ثم وجب التمييز بين مطالبات الحقوق ومطالبات الحظوظ ، فإن كان مطلبها فيما هو حق لها أمضاه وإن كان للحظ نفاه « 4 » ، أما إن استجاب لخاطر الحظ فذلك ذنب إذ من أسوأ المعاصي حظ النفس .
هذه دراسة عميقة في أغوار النفس البشرية مستندة إلى أسس أخلاقية
هامش
( 1 ) المحاسبي : الرعاية ص 79 .
( 2 ) السهروردي : عوارف المعارف ج 4 ص 233 .
( 3 ) القشيري : الرسالة ص 43 .
( 4 ) الغزالي : الأحياء ج 4 ص 323 - 325 .