تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣

الفصل الثاني في ضرورة معرفة خطرات القلوب باعتبارها بواعث الأعمال

يرجع التقييم الخلقي للإنسان في معظم المذاهب الأخلاقية إلى ظاهر أفعاله ، فلا تطلب هذه المذاهب من الإنسان إلا العمل الفاضل ، حقيقة أن كانط قد أرجع الحكم الأخلاقي إلى الإدارة ، ولكن الصوفية وحدهم هم الذين قدموا دراسات نفسية مستفيضة حول خلجات للقلوب وهواجس النفوس باعتبارها بداية الأعمال ومنشأ الأفعال ، وهم يعللون ذلك أن ليست شخصية الإنسان في ظاهر السلوك وإنما الخلق - وهو أهم مظاهر الشخصية - هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأعمال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة ، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقا سيئا فليس الخلق هو الفعل وإنما الهيئة التي عنها يصدر الفعل « 1 » . إن أعمال الجوارح ليست إلا تعبيرا عن خطرات القلوب ومن ثم فإن معرفة القلب والكشف عن السريرة يلزمان للأخلاق من حيث إنه إذا صفت السريرة فقد صلح العمل ، إن كل صفة تظهر في القلب يفيض أمرها في الجوارح بل إن هذه لا تتحرك إلا بخطرات القلوب وإرادتها ، فالقلب هو المتصرف فيها وهي مسخرة له فلا يصدر منها من عمل إلا بإشاراته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا ومن ثم فإن القلب هو الذي يجب تصحيحه وتقويمه وحسابه وعتابه ، في حديث الرسول : إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، ويقول تعالى :
« وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) الغزالي : إحياء جزء 3 ص 36 - 37 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 225 .