تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
وليس للقلب من سلطان على الجوارح الظاهرة فحسب بل هو المحرك للقوى النفسية الباطنة كالشهوة والإرادة والقدرة أما حقيقة فعله فهو أن ينبعث من دخيلته شوق إلى جهة ما يتوهمه مصلحة فيبعث النفس إلى الميل إلى تعاطى أسبابها ثم يحرك الإرادة لها ومن ثم تستجيب الجوارح . ويحلل الغزالي دور القلب وأثره في قوى النفس والجوارح بقوله : أول ما يرد على القلب الخاطر له مثلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها . والثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهي حركة الشهوة التي في الطبع وهذا يتولد عن الخاطر الأول ويسمى ميل الطبع ، كما يسمى الخاطر الأول حديث النفس والثالث حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أن ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا حاد لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف ، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات . . . ويسمى هذا اعتقادا وهو يتبع الخاطر ، والميل الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصدا . . . فهاهنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة . . . الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الاعتقاد ثم الهم . ولكن إلى أي مدى يحاسب الإنسان على خلجات نفسه وخطرات قلبه وما يدور في سريرته ؟ يقول الغزالي : لا يؤاخذ الإنسان بالخاطر ولا بالميل أو هيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان تحت الاختيار ، وأما الاعتقاد وحكم القلب فهذا تردد بين الاضطرار والاختيار ، ومن ثم اختلفت الأحوال في المؤاخذة به وأما الرابع وهو الهم بالفعل فإنه مؤاخذ به فإن لم يفعل نظر فإن كان ذلك لعائق لا مدخل له فيه فإنه مؤاخذ بالفعل وإن امتنع مجاهدة للنفس فلا شئ عليه « 1 » . ولما كانت الخطرات هي أول ما يرد على القلوب وهي محركات الإرادات وبدايات الأعمال - معاص أو طاعات - فإنه يلزم مراقبة السرائر ورعاية
هامش
( 1 ) الغزالي : الإحياء - ج 3 ص 36 .