تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
يجب أن تؤخذ بترو وعمق ، ذلك أن الصوفية كثيرا ما يشبهون هذه الصلة بصلة الطبيب بالمريض ، والمرض داء نفسي دفين ، فلا تجوز المقارنة بوسائل التربية الحديثة ، وإنما بالمحلل النفسي ، وفي العلاج النفسي تقوم مثل هذه العلاقة حيث يسلم له المريض قياده ويطلعه على كل أسراره ، ولا يقدم على أمر حتى يستأذنه ، كل ذلك لضرورة العلاج الذي قد يمتد سنين ، ويستند كلا النظامين إلى فكرة الإيحاء الغيري التي تقتضى من جانب المريد أو المريض قابلية تامة للتصديق أو الاستهواء ، وتتشابه الطريقتان كذلك في الاستناد إلى حتمية الثنائية إذ لا يتسنى العلاج إلا بوجود طرفين : محلل ومريض أو شيخ ومريد ، كذلك يبدو التماثل شديدا إذا علمنا أن الصوفية كانوا على وعى بفكرة اللا شعور واستحالة إدراك المريض لمكوناته مع ماله من أثر في السلوك ، يقول الجنيد : إن سقم الجوارح والأجسام أسهل من سقم القلوب والأفهام لأن الآفات المعترضة على اليقين سبب البوار ، أما الأمراض والأسقام الكائنة في الجوارح والأجسام فذلك ضرر يؤمل برؤه ويزول مكروهه وشره ، وفي عدم وعى المريض أو المريد بهذه الآفات يقول : إن أمراض الأبدان يعبر عنها المريض بما يجد من ذاته واصفا ما حل به من بلائه ، أما علل القلوب فإن المريض مقصر عن بلوغ نعته لذلك مختلف عن الوصف لما هنالك ، العبارة الأخيرة توضح إدراك الجنيد العميق لما يذكره المريض أحيانا من أسباب خاطئة لأمراضه ، ولكن الطبيب لا يغتر بذلك وإنما يعلل للمريض أسباب ما يذكره من تفسيرات خاطئة وينبهه إلى حقيقة مكونات العلل التي افتقدها . يقول الجنيد : فالطبيب الخبير البصير يكشف لأهل الأمراض عما وجدوه وينبئهم عن زوال ما فقدوه حتى كأن الموصوف بعبارة اللسان منظور إليه بحقيقة العيان ، من أجل ذلك كله كان الطبيب أعلم بداء السقيم من نفسه وأحق أن يصف له من الدواء ما يكون سببا لبرئه « 1 » .
هامش
( 1 ) الدكتور على حسن عبد القادر : رسائل الجنيد 10 - 12 .