اختصاص الصحبة دون سائر أساليب التربية الظاهرة بخصائص وصفات .
وأول واجبات المريد أن يلتزم الطاعة المطلقة نحو شيخه في كل ما يأمره به وإن خيل إليه أنه مأمور بشئ يخالف ظاهر الشرع وليس له أن يعترض على شيخه في شئ من ذلك ، ويشير الصوفية إلى صحبة موسى والخضر حيث كان يلزم عدم الاعتراض ، فالشيخ أعلم ببواطن الأمور وحقائقها وتأويلها وإن بدت إشارته للمريد محل اعتراض ، وليس الاعتراض ولو بالقلب إلا موجبا للافتراق ، وإنما يكون المريد مع شيخه مسلوب الاختيار إذ عليه ألا يتصرف في شئ من أمر دينه أو دنياه إلا بمراجعة الشيخ دون مخالفته ، « إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم » ، ولا يمنع هذا أن يخاطب المريد شيخه مستفسرا مستفهما لأنه إن انطوى ضميره على شئ لا يكشفه للشيخ يصير في باطنه منه عقدة في الطريق .
وعلى المريد ألا يكتم سره عن شيخه بل أن يعرض عليه كل ما يجد في قلبه من الأحوال من فتور أو نشاط أو التفات ، وأن يذكر له كل خطرة من الخطرات تجول بباله إذ لو كتم نفسا من أنفاسه عن شيخه فقد خانه في صحبته بل على المريد أن يكشف لشيخه جميع عيوب نفسه وإن لزم عن ذلك كشف حاله لأن الشيخ كالطبيب وحال المريد كالعورة ، والعورة قد تبدى للطبيب لضرورة التداوي ، ولو وقع له مخالفة فيما أشار عليه شيخه فيجب أن يقر بذلك بين يديه في الوقت ثم يستسلم لما يحكم به عليه عقوبة له على مخالفته « 1 » .
تبدو هذه الصلة محل انتقاد ، وقد لقى الصوفية بسببها هجوما مرّا خصوصا إذا قيست هذه الصلة بمقاييس التربية الحديثة التي تؤكد شخصية الفرد كأساس لتقويمه لا إلغاء شخصيته والقضاء على إرادته ، ولكن الأمور
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 180 / 182 .