ومن ثم فإن من صفات الأبدال أن يكون نومهم غلبة فإن غلبهم النوم فما هي إلا خفقات يفزع بعدها إلى الصلاة والقيام .
وبالإضافة إلى الجوع والسهر يكثر الصوفية من الصمت والخلوة إذ بناء أمر التصوف على أربعة أشياء : قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام والاعتزال عن الناس « 1 » ، ويؤثر أرباب المجاهدة السكوت لأنه يلزم عن الكلام عشرين آفة منها الخوض في الباطل والمراءاة والجدل والمدح والفحش واللعن والكذب والغيبة والنميمة والمزاح وإفشاء السر والوعد الكاذب ، وإذا كانت كثرة الكلام تكثر السقطات والزلات فإن الصوفي لا يؤثر الصمت طلبا للسلامة من الرذائل فحسب ، ولكن لأن السكوت من آداب الحضرة ، لقد أمر اللّه مستمعى الكلام أن ينصتوا ، إذ تخشع الأصوات في حضرة الرحمن
« فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً »
« 2 » ، فسكوت العبد لاستيلاء سلطان هيبة اللّه عليه ، وقد وهب الحكماء الحكمة بالصمت والتفكير .
ويطلب الصوفي الصمت كمظهر من مظاهر مجاهدة النفس لما في الكلام من تعبير عن حب الظهور وميل إلى التفاخر وتميز على الحاضرين ، ومن ثم فإن الصوفي يصمد حين يجد في نفسه حلاوة الكلام إذلالا للنفس ، كذلك فعل الغزالي في تجربته الروحية حين شعر أن نيته في التدريس وتعليم الناس لم تكن خالصة لوجه اللّه بل لطلب الجاه وانتشار الصيت ، وحين يتوارى الصوفي عن الناس أي يعتزل فما ذلك بقصد الفرار من شرهم إنما اتهام منه لنفسه واستصغار لشأنه « 3 » .
على أن إضعاف البدن في الجوع والسهر ليس إلا جانبا من الطريق الذي يهدف أصلا إلى مجاهدة النفس ، وليس التصوف مجرد تعبد وإنما أخلاق ، يقول الفضيل بن عياض ؛ لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة
هامش
( 1 ) الغزالي : الإحياء جزء 2 ص 299 .
( 2 ) سورة طه : آية 108 .
( 3 ) القشيري : الرسالة ص 57 .