اشتدوا في مخالفة النفس وتصفية الباطن كما فعل الصوفية ، وليس بين المرتاضين على الفضيلة والأخلاق من استندوا إلى إرادة وهمة تغلب إرادة الصوفية وهمتهم .
أريد أن أقول لقد بلغ التناقض أشده : قوم آمنوا بالجبر إلى حد أن جعلوا أنفسهم كريشة في فلاة تذورها الرياح بين يدي المقادير أو كميت بين يدي الغاسل على حد تعبيرهم ، ولكنهم في ساوكهم أصحاب الجهاد الأكبر مستندين إلى همة لا تعرف الفتور وإرادة لا يعتريها الضعف ، لقد ذهبوا بالجبر إلى أقصاه كما ذهبوا بالعمل إلى مداه ، وكان يمكن أن يرتفع التناقض لو كان بين اعتقاد وسلوك أو بين نظر وعمل ، فلقد أثبت كانط موضوعات في مجال العمل أنكر إمكان البرهان عليها في نطاق النظر ، ولكن التناقض في التصوف على مستوى واحد حيث التوكل وحيث الجهاد ، وحيث جمع الهمة لمريد لا إرادة له ، وليس التناقض لاختلاف المقامين أو الحالين حتى يتسنى التأويل بما يصدر في السكر مخالفا للصحو ، ولا التناقض بين ظاهر وباطن حيث يمكن التوفيق ، ولكنه تناقض في صميم المذهب ليس له إلا إحدى نتيجتين :
تصدع المذهب وتهافته لفقدانه الوحدة والاتساق بين عناصره أو السعي إلى مركب قضية ينطوى على مفهوم يجمع طرفي النقيضين ويرفع ما بينهما من عناد .
مركب القضية : مفهوم الحرية في التصوف :
ليست الحرية في التصوف في الاختيار الحر دون اكتراث بين فعلين ولكنها تعنى تحرر النفس من الهوى ومن التعلق بالدنيا ولذاتها ، إن معنى الحرية لا ينفصل عن معنى العبودية ، فالإنسان عبد من هو في رقه وأسره فإن كنت في أسر نفسك فأنت عبد نفسك وإن كنت في أسر دنياك فأنت عبد دنياك وفي الحالتين أنت لست حرّا ، فمفهوم الحرية ألا يكون الإنسان تحت رق المخلوقات ولا يجرى عليه سلطان المكونات وعلامة ذلك سقوط التميز أو المفاضلة بين الأشياء حتى تتساوى عنده أخطار الأعراض « 1 » .
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 98 .