التدهور والانحطاط « 1 » ، والواقع أن كثيرا من هذه الانتقادات يتعذر تنفيذها على أساس أخلاقي حتى على أشد المتحمسين للصوفية وكيف يمكن الدفاع عن مثل هذه الأبيات التي ذكرها الغزالي نفسه وليس أحد متأخري الصوفية أو الدراويش :
جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق * ويرزق في غشاوته الجنين « 2 »
وإذا كان التواكل أخطر النتائج العملية للقول بالجبر فإن شطحات الصوفية والنظريات الفلسفية المتطرفة قد لزمت عنه نظريّا ، إذ ينتقل الصوفي من إسقاط الإرادات أو الأسباب إلى إسقاط الفاعلين أو المريدين فلا يثبت لنفسه إنية ولا ذاتا ليدعى الفناء أو الحلول أو الاتحاد ، أو يسقط وجود الموجودات فلا يعدها إلا مظاهر أو تجليات للوجود الإلهى في وحدة الوجود .
ومن ناحية أخرى فإن تأصل فكرة الجبر لدى الصوفية هي التي دعتهم - مع ما عرف عنهم من تسامح - إلى معاداة المعتزلة أشد العداء ، فقد روى أن المحاسبي قد رفض أن يرث أباه لأنه كان يقول بالقدر « 3 » وكان يونس ابن عبيد ينهى عن مجالسة عمرو بن عبيد ويقول لأن تلقى اللّه بالزنا والسرقة وشرب الخمر أحب من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو ! ! « 4 » ، وظل سليمان بن طرفان يبكى وهو في مرض الموت لأنه خشي من عقاب اللّه لأنه مر على قدرى فسلم عليه ، وشبه الواسطي المعتزلة بشرك فرعون قائلا : ادعى فرعون الربوبية على الكشف وادعت المعتزلة الربوبية على الستر تقول ما شئت فعلت « 5 » .
هامش
( 1 ) الدكتور توفيق الطويل : التصوف الإسلامي إبان العصر العثماني وكذلك الدكتور محمود قاسم : الإسلام بين أمسه وغده .
( 2 ) الغزالي : الإحياء ج 4 ( التوكل ) ص 235 .
( 3 ) القشيري : الرسالة ص 12 .
( 4 ) أبو نعيم : حلية الأولياء ج 3 ص 21 .
( 5 ) الرسالة ص 6 .