البعد عن الرياء « 1 » ، وتلك آفة خطيرة وقد أشار إليها تعالى بقوله :
« وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »
« 2 » .
وليس أدل على عنف الصراع وعظم الجهاد من التفرقة بين الفعل الفاضل عند أرسطو وعند الصوفية إذ يطلب أرسطو لكي يتصف الفعل بالفضيلة أن يكون مصحوبا بلذة ، أما الصوفي فلا يسمح لنفسه أن تستروح إلى لذة في فعل فاضل ، إنه يجب أن تصدر الطاعات عنه والنفس عنها بمعزل ، إنه إن شهد في فعله الإخلاص فقد نقصت قيمة الفعل فأصبح مفتقرا إلى إخلاص إلا بالإغماض عن رؤية الأعمال حتى لا يكون للنفس فيها حظ بحال فلا تعلم يمينه ما تنفق شماله .
هكذا يجاهد الصوفي لاهثا في طريق وعر عدوّا لا يراه ولا يفارقه فإن تغلب عليه في بعض مراحل الطريق كان أمعن في الستر وأعظم في الكيد فليس غريبا أن يعجز عن الوصول أكثر السالكين وأن تهبط أعمال أغلب العاملين بخطرة رياء أو ظن إخلاص أو إدلال بعمل ، سئل رياح العسينى :
ما الذي أفسد على العاملين أعمالهم فقال حمد النفس ونسيان النعم .
ومن الصوفية طائفة عرفوا بالملامتية قد بلغوا في مخالفة النفس وجهادها إلى حد إذلالها واحتقارها ودوام لومها وحرمانها من كل ما تطلبه واتهامها في كل ما تدعيه ، فالنفس عند منبتها من الشر إذ لا تنقاد لطاعة إلا وتضمر فيها خلافا ومن ثم لا يدعها الملامي تستقر في حالة من أحوالها وإنما هو متهم لها دائما حتى يسقط عنه الافتخار وعن باطنه الاغترار بل إنه يسقط من الاعتبار رضا الناس عن حسن عمله إلى حد أن يثير عليه سخط الناس واحتقارهم إذلالا لنفسه وتأديبا لها .
نخلص من هذا إلى أنه لم يعرف في تاريخ المذاهب الأخلاقية قوم
هامش
( 1 ) الحارث المحاسبي : الرعاية لحقوق اللّه عز وجل ص 154 .
( 2 ) سورة الكهف : آية 104 .