لم ير الصوفية الاجتباء والاجتهاد متعارضين ولكنهما متكاملان لقوله تعالى :
« اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ » .
« 1 »
ويقصد الصوفية من الاجتهاد مجاهدة الجسم والنفس معا ، إذ لا صفاء للنفس إلا بالقضاء على شهوات البدن ، إن شهوة المأكول والمنكوح يتشعب منهما شره المال وشهوة الجاه ومن ثم تزدحم الآفات النفسية والأخلاق الذميمة كالكبر والرياء والحسد والبغضاء ، ليس الجسم والنفس منفصلين ولكنهما متفاعلان ، فلا صفاء للنفس إلا بمجاهدة البدن بالجوع والسهر
وتزخر كتب الصوفية بذكر سير رجالاتهم الذين كانوا يبيتون على الطوى ليالي طوالا إلا من الماء القراح ولا يصلح للطريق من لا يصبر على طعام واحد لا يزيد على خبز الشعير أياما ، كل ذلك من أجل إخماد الصفات البشرية ومفارقة الطبيعة الشهوية « 2 » ، وهم يمتدحون الجوع فما صار الأبدال أبدالا إلا بخصال أربع : منها أنهم أخماص البطون ذلك أن الجوع يؤدى إلى صفاء القلب ونفاذ البصيرة فيجد المريد لذة المناجاة وحلاوة التعبد فضلا عما في الجوع من ذلة للنفس وكسر الشهوة « 3 » .
ولا يبيت الصوفي على الطوى لينام وإنما ليتابع ليله بالقيام ، فهو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ، ولا يصبح المريد من أهل الطريق حتى يتجافى جنبه عن المضاجع فإن لم يكن فتلك صفة الغافل الهاجع ، ويستقبل الصوفي ليله وقد فرغ قلبه من كل هم إلا ذكر اللّه ، ومن ثم يفرح الصوفي لغروب الشمس حيث الاستئناس باللّه والاستغراق في المناجاة ، بل إن الصوفية أشد فرحا بدنو الليل من أهل اللهو في لهوهم ، ذلك لما في الليل من نفحات لا تصيب إلا المستيقظين بالأسحار حيث تكشف لهم الأنوار . « 4 » ،
هامش
( 1 ) سورة الشورى : آية 13 .
( 2 ) القشيري : الرسالة ص 49 .
( 3 ) الغزالي : الأربعين في أصول الدين ص 104 / 105 .
( 4 ) الغزالي : إحياء علوم الدين ج 1 ص 323 / 326 .