وإنما أدرك بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للأمة ، لقد توغل الصوفية في أعماق النفس البشرية ليكشفوا عن هواجس النفس وبواعث الشر ، ذلك أن ما من ذنب يكون من الجوارح إلا ويسبقه خاطر سوء من النفس ولا يتسنى للإنسان أن يقلع عن معاصي الجوارح حتى يتخلص من وساوس النفس ومن ثم فإن الصوفية لا يكتفون بمحاسبة أنفسهم على ما صدر عنهم من المعاصي وإنما يراقبون الخطرات ويحاسبون أنفسهم على السرائر ، ولعل جهاد النفس أشق من جهاد البدن ، سئل التستري أي شئ أشد على النفس ؟ فقال الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب ، وقيل لداود الطائي : أرأيت لو أن رجلا دخل على أمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر ؟ قال : أخاف عليه السوط ، قيل له : إنه يقوى ، قال : أخاف عليه السيف ، قيل له : إنه يقوى ، قال أخاف عليه الداء الدفين - العجب « 1 » .
والصوفي من نفسه دائما على حذر وهو لها دائما متهم ، فليس الترقي في المقامات مما يرضيه عن نفسه ولا قطع شوط من الطريق يعنى تلاشى هواجس النفس بل لعل الامتحان يعسر بعد كل مقام يرتقيه ومن ثم يشتد صراعه مع آفات أشد خفاء ، إنه في أول المقامات - مقام التوبة - يصارع ملل القلب وتعب الجوارح ومعارضة الشهوات ولكنه باجتماع الهمة وصدق العزيمة يقلع عن الذنوب ويتغلب على الشهوات ، ولكن النفس قد تغفل عن ذنوب يسترها الهوى وتلك آفة أشد من مجرد الندم على ما اقترفه من سيئات ثم إن النفس قد تساورها خطرات العجب فتستعظم مقام التوبة فيظن العبد أنه قد أصبح على خلق لمجرد الإقلاع عن السيئات ، كذلك إن فقدت النفس بعض الشهوات قد تطلب شهوات أخرى تستريح إليها عوضا على ما فاتها من لذات ، فإن خلص الإنسان من ذلك كله فقد تموه النفس على الإنسان طريق الخير فتدعوه إلى طاعة وهي معصية أو تدعوه إلى ترك العمل باسم
هامش
( 1 ) ابن الجوزي : صفة الصفوة ج 3 ص 80 .