تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ذلك جانب من التصوف في الأصول والعمل فما ذا عن الجانب الآخر المقابل له ؟

نقيض القضية : المجاهدات في الطريق الصوفي :

إذا كان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر كما قال الرسول الكريم ، فليس بين طوائف المسلمين وفرقهم من جاهد النفس وخالف الهوى كما فعل الصوفية لا تضعف همتهم في ذلك توكل على اللّه ولا يفتر من عزيمتهم استناد إلى اجتبائه ، فمن ظن أنه يفتح له شئ من هذه الطريقة أو يكشف له عن شئ منها بغير لزوم المجاهدة فهو في غلط « 1 » ، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل فمتمن . « 2 » فهداية اللّه ثمرة المجاهدة لقوله تعالى :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
« 3 » فالطريق الصوفي من بدايته نصب ومكابدة فمن لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمعة « 4 » . ولقد اختلف الصوفية في الوصول أيكون باجتباء اللّه أم باجتهاد العبد ؟ أيوفقون بالمجاهدات وبعد مكابدات أم يكشفون في الابتداء بجليل المعاني ؟ ومع أن بعضهم قد جعل نيل الدرجات بالمكاشفة في الابتداء ومن اللّه اجتباء إلا أن هؤلاء عليهم أن يستوفوا ما فاتهم من أحكام أهل الرياضة ، إنهم إن اختصوا من اللّه فقد وجب عليهم اتباع أمره ، ومن رفعت الحجب عن قلوبهم وكوشفوا بنور اليقين فإن ذلك يثير فيهم الاجتهاد فيستهينوا بالمتاعب والأهوال ويفارقوا في غير أسف ولا تردد الرسوم والأشكال ، وكذلك كان أمر سحرة فرعون وجدوا عناية اللّه فلجأوا إلى السجود غير عابثين ببطش فرعون « 5 » .
هامش
( 1 ) القشيري / الرسالة ص 48 . ( 2 ) المرجع السابق ص 5 عبارة أبو سعيد الخراز . ( 3 ) سورة العنكبوت : آية 69 . ( 4 ) القشيري : الرسالة ص 48 . ( 5 ) السهروردي : عوارف المعارف ص 274 ( هامش الأحياء ) .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 232 | أحمد محمود صبحي