تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وليس التوكل مجرد رأى ولكنه سلوك ، وقد أشار الغزالي إلى بعض مظاهر السلوك لدى الصوفية باسم التوكل ، فأرزاقهم تجرى على أيدي العباد بلا تعب منهم ، فالناس يرزقون بذل السؤال أو بالنصب أو بالانتظار كالتجار أو بالامتهان كالصناع ، أما الصوفية فيأتيهم رزقهم بعز ، وقد يدور الصوفي في البوادي بغير زاد يصبر على الطوى أو يقعد في بيته ويسخر اللّه له سكان البلاد يوصلون رزقه إليه بغير انتظار ، ولا يضطرب قلب المتوكل إن سرقت بضاعته أو خسرت تجارته ، بل إن الصوفي قد يكسر مغزله أو وسيلة كسبه إن رأى فيها اعتمادا في الرزق على غير اللّه ، أفلا ينظر إلى الطير كيف يطير خماصا ويعود بطانا « 1 » . لقد كانت هذه الإرادة مثار الطعن على الصوفية ، يذكر ابن الجوزي أن أحد الصوفية سأل عن الرجل يجمع المال لأعمال البر فقال تركه أبر منه ، وعن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه والآخر جانبها ولم يبذلها ، فكان الرد أن الذي جانبها أفضل ، وأن ما بينهما في الفضل بعيد بعد ما بين مشارق الأرض ومغاربها ، ويعد ابن الجوزي ذلك من شبهاتهم ومن تلبيس إبليس عليهم . « 2 » ويقول نيكلسون معلقا على فكرة التوكل : أي نوع من الخلق يمكن أن تتجه نظرية كهذه ، فأما في أحط منازلها فعاطل ضليل يعيش كلا على غيره ، وأما في أعلاها فدرويش مسالم يظل ساكنا وسط الأحزان يقابل المدح والذم على السواء بعدم مبالاة ويلقى الأذى والنصب والعذاب على أنها أحداث جارية في مأساة الحظ الأبدية « 3 » . ويضيق المقام عن الإشارة إلى كل ما وجه للصوفية من انتقادات بسبب إسرافهم في القول بالجبر وغلوهم في التوكل إلى حد التواكل خصوصا في عصور
هامش
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين ج 4 ( التوكيل ) ص 230 / 232 . ( 2 ) ابن الجوزي : تلبيس إبليس ص 178 / 364 . ( 3 ) نيكلسون وترجمة نور الدين شريبة : الصوفية في الإسلام ص 50 .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 230 | أحمد محمود صبحي