تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وتدور جميع أفكار ابن عطاء اللّه - من متأخري الصوفية - في التصوف حول إسقاط التدبير ، ويستدل عليها بأدلة ثلاثة : أولا - لا وجود للإرادة الإنسانية إلى جانب إرادة اللّه ، يقول ناطقا بلسان اللّه : أيها العبد أنا المتفرد بالخلق والتصوير وأنا المنفرد بالحكم والتدبير ، لم تشاركني في خلقي وتصويرى فلا تشاركني في حكمي وتدبيري ، أيها العبد كما سلمت لتدبير أرضى وسمائي وانفرادى بهما سلم وجودك لي فإنك لي ولا تدبير معي فإنك معي . ثانيا - أن اللّه قد سبق تدبير أمر الإنسان منذ الأزل ، ومن ثم فقد جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل ، وكيف يستطيع الإنسان أن ينفذ من أمر نفسه شيئا وسوابق الهمم لا تخرق أسوار القدر . ثالثا - الاعتقاد بأن الإنسان مدبر أفعاله تطاول على اللّه ومكابرة ذلك أنه من لوازم العبودية إسقاط التدبير مع اللّه بل أول الطريق الصوفي التطهير من وجود التدبير ومنازعة المقادير « 1 » . والتوكل من أهم المقامات لدى الصوفية وهو المظهر العملي لفكرة الجبر ، فلا يسلك المريد طريق التصوف حتى يسقط إرادته ويتجرد عن التدبير راضيا بأحكام المقادير فلا يكون لديه تمييز بين خير أو شر أو بين محنة أو منحة ، إنه مقهور بتصريف الربوبية بعد أن ألقى نفسه في العبودية . ويشرح الهروي مقامات السالكين ، ففي مقام التوكيل لا يشارك مع اللّه في تصرفه في ملكه شريك ، وفي مقام التفويض يشهد انفراد الحق بملكه وكل ما يقع فيه من حركة أو سكون وبذلك يصل إلى التسليم الكامل للّه ، فتستوى عنده كل الحالات من نفع أو ضر ومن خير أو شر ، ولا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضى ذلك هو عين الفناء حيث لا يشهد الإنسان إلا فعل اللّه « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن عطاء اللّه : التنوير في إسقاط التدبير ص 60 وما بعدها . ( 2 ) الهروي : منازل السائرين ص 24 .