كثير من تعريفات الصوفية بلفظ التصوف يكون معنى زائدا عن معنى التصوف نفسه ، فالتصوف لدى ممشاد الدينوري إسقاط الاختيار مع صحبتك للخلق ، وللتصوف ثلاث خصال لدى رويم من بينها ترك الغرض والاختيار ، والصوفي منقاد للحق فليس للحوادث أثر عليه بحال على حد تعبير أبى الحسن الحصري ، إنه كما يقول الشبلي كالطفل في حجر الحق ، بل إنه في حركاته وسكناته بين يدي اللّه كالميت بين يدي الغاسل .
والتوحيد هو الأصل الأول للإسلام ولكنه في التصوف يتخذ معنى يختلف عن مجرد قول : لا إله إلا اللّه ، يقول الجنيد : سئل بعض العلماء عن التوحيد فقال هو اليقين ، قال سائل : بين لي ما هو ؟ فقال هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونهم فعل اللّه عز وجل وحده لا شريك له فإذا فعلت ذلك فقد وحدته « 1 » وهكذا يعنى التوحيد لديهم انفراد اللّه بالفعل ، إنه ليس مجرد إسقاط كثرة الأرباب فحسب بل كثرة الأسباب كذلك ، ذلك أن الوسائط والأسباب مسخرات بأمره ، والتعويل على الأسباب درجة من الشرك ، ففي تفسيرهم لقوله تعالى :
« فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ »
« 2 » فالشرك هنا لازم عن اعتقادهم بعد نجاتهم بالقول لولا استواء الريح لما نجينا فكان ذلك منهم شركا وجهلا ، أما الإيمان الحق فهو الذي لا يمتزج فيه التوحيد بشرك فلا يثبت الإنسان لنفسه استقلالا بتحريك ذرة من ملكوت السماوات والأرض .
ويفسر الهروي التوحيد بقوله : إسقاط الأسباب الظاهرة فلا يتخذ الصوفي في النجاة وسيلة في التوكل سببا فلا شئ جعل لأجل شئ ، ولا يكون شئ بشئ . . . ولكن إرادة اللّه التي يصدر عنها كل حادث ، ذلك أن الحق وكلّ الأمور إلى نفسه وآيس العالم عن ملك شئ منها « 3 » .
هامش
( 1 ) القشيري : الرسالة ص 5 .
( 2 ) الأنعام : آية 65 .
( 3 ) الهروي مع شرح اللخمي : منازل السائرين ص 50 .