الفصل الثالث الأصل الجامع في التصوف المعتدل : فهم خاص للقدر والحرية
ولكن إذا كان القوم لم يعنوا بالرسوم أو الجدل في الأصول حتى استعاروا من الفرق الأخرى والأشاعرة على الخصوص أصولهم في الاعتقاد دون أن تكون هذه سمة لهم أو نسبة إليهم فإن أصلا جامعا عنده يلتقون وبه عن سائر الفرق ينفردون وأعنى به رأيهم في مشكلة الجبر والاختيار ، ولقد عبر الكلاباذي بما يفيد أنهم يدينون بنظرية الكسب الأشعرية ولكن ذلك ليس بصحيح فهم يذهبون في الجبر أكثر مما ذهب الأشعرية ونظرتهم مع ذلك تباين رأى الجهم وتختلف عنه اختلافا بينا ، لقد ذهب ابن تيمية « 1 » وتلميذه ابن الجوزي « 2 » إلى أنهم متأثرون بالجهم إذ لا قدرة للإنسان أو استطاعة ، ولكن رأى الجهم كان عن نظر واستدلال وفي مجال الكلام ، أما رأيهم فعن ذوق وإيمان في نطاق العمل ولم يكن الصوفية جهميين ولا كان الجهم صوفيّا .
ولكن كيف يستقيم قيام الأخلاق في ظل مذهب يدين بالجبر ؟ لقد سبقت الإشارة إلى أن الحرية هي مسلمة الأخلاق التي لا غنى عنها ، وبصرف النظر عن الجدل حول مشكلة الحرية فإن الذين أنكروها قد استندوا إلى أدلة ليس من بينها الأخلاق ، والذين أثبتوها كان الدليل الخلقي أقوى الأدلة على قيامها ، فكيف يمكن أن يكون التصوف مذهبا أخلاقيّا مع استناده إلى فكرة الجبر ؟ بل لقد تنافر الصوفية واختلفت مشاربهم ولكنهم جميعا بين عمليين ومتفلسفين يلتقون عند إسقاط إرادة الإنسان وإثبات اللّه فاعلا أوحدا فكيف يتسنى قيام الأخلاق ؟
هامش
( 1 ) ابن تيمية : منهاج السنة ج 3 ص 23 / 25 .
( 2 ) ابن الجوزي : تلبيس إبليس ص 270 .