تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
نجد أنهم يوقنون أن للّه في خلقه حكمة وأن له في كل أفعاله سرّا وإن خفى على الإنسان ، إنه في مقام الرضا بالقضاء ليس ذلك عن تعظيم اللّه فحسب بل عن يقين أن له في كل فعل لطيفة ، يعترض عليها أهل الظاهر جهلا ، وهم يسوقون لذلك قصصا كثيرة « 1 » يدللون بها على قول اللّه :
« وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ »
« 2 » ولهم إشارة خاصة إلى ما كان بين الخضر وموسى ليعبروا عن خيرية أفعال اللّه ، بل للغزالي كتاب اسمه الحكمة في مخلوقات اللّه يشير فيه إلى حكمة اللّه وإرادته الخير في كل ما خلق . أريد أن أقول إن الصوفية قد تبطنوا رأى المعتزلة في غائية الفعل الإلهى وإن عادوهم ، أرادها المعتزلة حكمة ظاهرة وعلة عقلية وجعلها الصوفية حكمة باطنة وسرّا خفيّا . ويذكر الكلاباذي أن الصوفية قد أجمعوا أن جميع ما فعل اللّه بعباده من الإحسان والنعمة والصحة والسلامة والإيمان والهداية واللطف تفضل منه ولو لم يفعل ذلك لكان جائزا وليس على اللّه بواجب . وليس الثواب والعقاب من جهة الاستحقاق ولكن من جهة الفضل والعدل ، وليس شيئا من ذلك ظلما ولا جورا لأن الظلم هو وضع الشئ في غير موضعه والجور هو العدول عن الطريق المبين له ، ولما لم يكن اللّه تحت قدرة قادر وليس فوقه آمر ولا زاجر لم يكن فيما يفعله ظالما ولا في شئ يحكم به جائرا ، إنه لو عذب جميع من في السماوات والأرض لم يكن ظالما لهم ، ولو أدخل جميع الكافرين الجنة لم يكن ذلك محالا لأن الخلق خلقه والأمر أمره « 3 » .
هامش
( 1 ) الغزالي : الأربعين في أصول الدين ص 268 / 270 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 216 . ( 3 ) الكلاباذي : التعرف ص 50 / 52 .