تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
من الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة وقد كان في الريح عذاب لهم أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه « 1 » . ولقد صح قول فرعون حين قال :
( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى )
من حيث هو مظهر من مظاهر الحق ، وما طغيانه حين قطع الأيدي والأرجل وحين صلب إلا حق في صورة باطل ، لأنه ما كانت تنال المراتب إلا بهذا الفعل ، فإن الأعيان الثابتة قد اقتضت ذلك ، ففرعون بذلك يمثل دور الفتوة لأنه قد لبى بفعله الأمر التكويني الذي يخضع له كل ما في الوجود وإن خالف بذلك الأمر التكليفي ، فكل موجود عند ربه مرضى ، وكيف لا يكون مرضيا وهو سر ربوبيته ، إن إبليس ليس إلا مثلا أعلى للفتوة من حيث إن عصيانه السجود لآدم لم يكن إلا طاعة للأمر التكويني ومن حيث إن السجود لا يكون إلا لذات الحق . ولا مجال للقول باللطف الإلهى لأنه وإن كان العالم مفتقرا حقيقة إلى اللّه من حيث أن لا وجود له في الحقيقة إلا كوجود الظل للشئ أو المظهر للجوهر ، إلا أن هذه المجالى ضرورية من أجل أن تتحقق صفات الحق وأسماء اللّه ، وتلك هي علة الخلق ، كان الحق من حيث هو مجرد ذات كنزا مخيفا فأراد أن يعرف فخلق الخلق فبه عرفوه . وغنى عن البيان أن نظرية كهذه تلغى القيم الخلقية وأحكام الشرائع وتفسر علة الخلق وحياة الإنسان وسلوكه ومآله بعد الممات تفسيرا وجوديّا بحتا لا أثر للأخلاقية فيه ، إنها لا تقوض أصول الشرع وأحكامه فحسب بل إنها تعبث بكل تقييم ومن ثم فإنها إن صلحت أن تلحق بالمذاهب الأنطولوجية التي تفسر الوجود فإنها لا يمكن أن تكون بحال ميتافيزيقا أخلاق ، إنها وإن جعلت الإنسان ربانيّا فإنها لم تكرمه ، وأي تكريم
هامش
( 1 ) المرجع السابق : ص / 109 - 113 .