من فرق بين الكفر والإيمان في رأيه فقد كفر « 1 » وإذا تركنا أصحاب الفناء والحلول إلى أهل العشق والحب الإلهى لا نجد في رقة المزاج أو روعة الخيال أو عمق التجربة أو خصوبة الأحاسيس ما يقدم للأخلاق شيئا ، ولا سبيل إلى التماس مبادئ أولية تقتضى العقل المجرد من شعر نابع من محض العاطفة التي تهدف إلى الاتحاد باللّه ومن ثم تلغى الاثنينية بين اللّه والإنسان ، يقول ابن الفارض على لسان الذات الإلهية :
فلم تهونى ما لم تكن في فانيا * ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي
إلى أن يقول :
وما كان لي صلى سواي ولم تكن * صلاتي لغيرى في أداء كل ركعة
وإذا كان شعراء الحب من أمثال رابعة وابن الفارض قد فنوا في حب اللّه حتى لم يتعلقوا بشئ سواه ، فلا يعنى ذلك أن هؤلاء الشعراء كما ذكر نكلسون قد حلوا مشكلتى الشر والقدر من حيث إن الحب يرينا الشر خيرا أو يجعل الشر لا وجود له في نظر اللّه ومن حيث إن الحب يرفع المحب إلى درجة العلم بأسرار القدر « 2 » وإنما هم في الواقع قد ألغوا هذه المشكلات وتجاهلوها فلم يقدموا حلولا لها ، فالحب الإلهى لا يقدم لميتافيزيقا الأخلاق أو لمشكلات الخير والشر والجبر والاختيار والثواب والعقاب أجوبة تذكر ولكنه - أي الحب - قد ترك الإنسان يعيش بصددها في فراغ أو لعله قد شغل عنها باستغراقه في اللّه وفنائه فيه وذهوله عن كل ما سواه .
هذه هي أحوال الصوفية قد تقدم لنا صورا حية من التجارب الخصبة ولكنها لا تقدم إلى الأخلاق أصولا أولى أو ميتافيزيقا أخلاق ، فلقد كان هؤلاء في شغل عن الفلسفة ومقتضياتها وعن العقل وأحكامه بل لعل النظر العقلي - لو وجد - لكان حائلا أو معوقا دون خصوبة تجاربهم أو شدة مواجيدهم .
هامش
( 1 ) ماسينيون وبول كراوس : أخبار الحلاج ص 71 .
( 2 ) نيكلسون وترجمة الدكتور عفيفي في التصوف الإسلامي وتاريخه ص 94 .