تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
يظهر بصورة العاصي ومن يظهر بصورة المطيع من حيث إن كلا هو مظهر لاسم من أسماء اللّه . ولكي يوضح ابن عربى نظريته التي تلغى القيم بعد أن سوّت بين الخير والشر يميّز بين ما يسميه الأمر التكويني والأمر التكليفي ويجعل الثاني تابعا للأول ، الأمر التكويني هو ذلك القانون الذي قدر على الموجودات أزلا أن تكون بما هي عليه ، وبمقتضاه يكون علم اللّه ، أما الأمر التكليفي فهو الذي يخاطب به اللّه العباد ويبعث بمقتضاه الرسل فتكون أفعال العباد طاعة أو معصية ، ولكن الطاعة والمعصية تستويان من حيث إن كليهما طاعة للأمر التكويني ، ذلك القانون الأزلي الذي لا بد أن يتم حسب ما تعطيه طبيعة الموجودات ، ومن ثم فكل أفعال العباد متفقة مع الإرادة الإلهية طاعة كانت أو معصية خيرا كانت أم شرّا ، ولا تدخل هذه الأفعال تحت دائرة الأحكام الشرعية أو القيم الخلقية إلا لسبب عارض ، ومن ثم فوصف الأفعال بالشر ليس إلا بطريق العرض وما غضب اللّه من أجلها إلا عرضى كذلك « 1 » . وسياق النظرية بعد هذا الجبر المحض وبعد هذه التسوية بين الخير والشر يقتضى إسقاط الثواب والعقاب والوعد والوعيد أو تأويلهما ، فالثواب اسم ناشئ عن الطاعة في نفس المطيع ، والعقاب اسم ناشئ عن المعصية في نفس العاصي ، وليس الخلاف بينهما إلا في مرتبة التحقق في الوحدة الذاتية مع الحق فلا عذاب ولا عقاب في الآخرة بل مآل الخلق إلى النعيم المقيم . وما لحق الأمم البائدة من هلاك ليس على نحو ما نفهمه ، فدعاء نوح على قومه كان دعوة لهم أن يحررهم اللّه من قيود الوثنية التي تحصر الحق في مجلى مادي محدد ، فدعا عليهم بالفناء الصوفي لا بالدمار والهلاك « 2 » وما الريح العاتية التي أصابت آخرين إلا إشارة إلى ما فيها من راحة لهم حيث أراحتهم
هامش
( 1 ) محى الدين بن عربى : وتحقيق الدكتور عفيفي - فصوص الحكم الفص اللقمانى ص 121 . ( 2 ) محى الدين بن عربى : فصوص الحكم الفص النوحى ص 43 .