ولا يعنى هذا أن القوم لم يتعرضوا للمسائل الاعتقادية وإنما كانت أقوالهم فيها بما لا يمكن أن تكون بحال أصولا تصلح لقيام أخلاق فضلا عن شرائع ، فإذا كانت النظرة الأخلاقية تجعل الآخرة دار استحقاق فإن أبا يزيد ينظر إليها في غير اكتراث : ما النار ، لأستندن إليها غدا وأقول :
اجعلني لأهلها فداء أو لأبلعنها ، ما الجنة ؟ لعبة صبيان ، ولماذا الحساب والعقاب ولو غفر اللّه للخلق أجمعهم فما غفر إلا لقبضة تراب ولو أحرقهم فما أحرق إلا قبضة تراب ، وأي حاجة له إلى لطف يقربه من الطاعة وهو يقول : طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك ، بل أي حاجة إلى تقييم أخلاقي لمن فنى في اللّه فلبس ثوب الألوهية علنا : سبحانى ما أعظم شأني وبصرف النظر عما تأوله المتأولون من أصحاب أبي اليزيد من أجل التوفيق بين أقواله وبين أحكام الشرع ، فإن أقواله لا يمكن أن تتخذ قانونا كليّا لأية شريعة خلقية .
ولا أثر للأصول الأخلاقية فيما تنقله لنا المصادر عن أخبار الحلاج ، بل لعل في بعض ما صدر عنه من أقوال ما يجافى تماما كل قيمة خلقية ، فهو لم يفسر أصل الخلق تفسيرا بعيدا كل البعد عن السمة الخلقية فحسب إذا قورن بالتفسير المعتزلي حين ذهب إلى أن الحق وقد كان في الأزل ولا شئ معه أحب أن يرى ذاته فأخرج من العدم صورة من نفسه لها كل صفاته وأسمائه فكان خلق آدم ، بل إنه عبث بالقيم حين ارتفع بإبليس رمز الشر إلى مقام الفتوة قائلا على لسانه : جحودى لك تقديس ، ومن ثم اعتبره كما اعتبر فرعون أستاذا له وصاحبا « 1 » ، وهو لا يعنى بذلك إصرارا على الشر أو تباهيا بقبيح الأفعال وإنما أن يلغى الشر بعد أن يلحقه بالخير ، وقد استعان في ذلك بتأويلات غريبة من ناحية وبفكرة الجبر المحض من ناحية أخرى حيث اقتضت المشيئة الإلهية كل ما وقع من شر بما في ذلك عصيان إبليس وحيث
هامش
( 1 ) نيكلسون وترجمة الدكتور عفيفي : في التصوف الإسلامي ص 134 / 138 .