أحوال المحو والفناء والسكر والبقاء أصول أولى بمعتقدات تصلح أن تكون ميتافيزيقا أخلاق ؟
[ 1 - التجارب الصوفية : أبو يزيد البسطامي - الحلاج - ابن الفارض ]
حقيقة قد تكون السمة الأخلاقية في التجربة الصوفية قائمة حيث يفنى الصوفي عن الأوصاف المذمومة فلا تظهر عليه إلا الصفات المحمودة وحيث الفناء عن الشهوات ومظاهر الإنية من لذة وأنانية ضروري ليعيش التجربة ويتذوق الحال ، وحقيقة لم يعرف عن أحد منهم رعونة نفس أو سوء سريرة أو فساد طبع ، ولكن هل يمكن أن تستخلص من التجارب الذاتية ومن أحوال الصوفية وشطحاتهم أصول كلية للاعتقاد يلتقى عندها القوم ؟ وهل يمكن أن تستند أقوالهم في الفناء وفي الحب إلى مبادئ أولى بها يلتزمون ولا يشطحون ؟
يبدو أن تلمس ميتافيزيقا أخلاق أو أصول اعتقاد من أحوال القوم متعذرا ، ودون حاجة إلى عناء استقراء أقوالهم في الوصول إلى هذا الرأي من حيث إن التجربة الصوفية ذاتية فهي تتعارض مع كل أصل موضوعي ، ومن حيث إن الصوفي لا يثبت عند حال بل لا يزال منتقلا من حال إلى حال تعارضها فمن محو إلى إثبات ومن سكر إلى صحو ومن بقاء إلى فناء فثمة لا سبيل إلى التماس الضرورة أو الكلية ، وإذا كان قد أخذ على بعضهم في حالات شطحاتهم عدم التزامهم بقواعد الشرع فكيف يلتمس الصدور فيما يقولون وعما يعبرون عن مبادئ أولى للأخلاق ؟
قيل لأبى يزيد البسطامي يبلغنا عنك في كل وقت أشياء ننكرها ، فقال : إنما يخرج الكلام منى على حسب وقتي « 1 » وتلك شهادة من أهل التجارب والأحوال تشير إلى استحالة التماس الضرورة أو الكلية من التجربة الصوفية .
هامش
( 1 ) دكتور عبد الرحمن بدوي : شطحات الصوفية ص 126 .