عن لهو الحياة ومتع الدنيا للتعبد أو طلب العلم ومرادفا لكلمة زاهد أو عابد « 1 » ، وإن أصل نشأتهم يرجع إلى اعتزال جماعة من أصحاب الحسن ابن علي بعد أن سلم الأمر لمعاوية ولزومهم منازلهم ومساجدهم واشتغالهم بالعلم والعبادة « 2 » ، كل ذلك مما يجعلنا نرجح أنهم نشأوا في بيئة مستنيرة على حد تعبير الدكتور على النشار بعد حسرتهم المريرة على سلب الحق من أهله وولاية معاوية الخلافة فكان أن لجأوا إلى العبادة واعتزلوا السياسة وعكفوا على دراسة العلم والدين ، وإن بذرة هذه الفرقة قد ظهرت من نزعات ورعة إذ كانوا من الأتقياء الورعين الذين اعتزلوا الناس « 3 » ، ولقد كان شيوخهم الأوائل معبرين عن هذا الاتجاه فكان واصل بن عطاء لا يرى في الليل إلا مصليا أو عاكفا على الكتاب الكريم يدون آيات يرد بها على المخلفين وكان عمرو بن عبيد يقوم الليل مصليا وقد حج أربعين حجة ماشيا ، وإذا تكلم فكأن النار لم تخلق إلا له وإذا رأيته توهمت أنه عاد من دفن والديه « 4 » ، أما النظّام فقد استحلف اللّه بجهاده في الدفاع عن التوحيد أن يسهل عليه سكرات الموت ، وكان ناسكهم أبو موسى المردار إذا جلس للوعظ والكلام أبكى مستمعيه .
وبالرغم من هذه السيرة الصالحة لكبار المعتزلة فلن أذهب إلى أن أضعهم في صف سقراط أو الرواقيين ، ذلك أن أتباعهم لم يتأثروا إلا بآرائهم ، وكانت متابعاتهم عن إقناع لا عن كونهم قدوة ، ذلك أن صفتهم الكلامية قد سادت ما عداها من صفات خلقية وكان جهادهم أهل الديانات الأخرى والفساق والزنادقة والمتحللين من أمثال بشار بن برد وأبى نواس هو أبلغ ما عرف عن شخصياتهم من أثر إلى حد أنه يمكننا القول إن أصل الأمر
هامش
( 1 ) طبقات ابن سعد : ج 6 ص 225 وجولدتسيهر : العقيدة والشريعة ص 89 .
( 2 ) النوبختي : فرق الشيعة ص 5 والدكتور النشار ص 264 ( نشأة الفكر ) .
( 3 ) جولدتسيهر : العقيدة والشريعة ص 89 .
( 4 ) ابن المرتضى : المنية والأمل ص 22 .