تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة ، بل يبتدئ في إنكاره بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب ، لأن الغرض كف عن المنكر - قال تعالى :
« فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما »
ثم قال :
« فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي »
ويباشر الإنكار كل مسلم تمكن منه وعرف شرائطه ، فهناك القبائح الظاهرة المعروفة والنهى عنها واجب على كل إنسان ، وأما ما يحتاج إلى قتال فإنما يقوم به من في استطاعته القتال والإعداد له كالإمام وولاته فهم أعلم بالسياسة ومعهم عونها وعدتها « 1 » . في هذا المبدأ العملي فحسب يمكن أن يقال إن المعتزلة قد عاشوا مبادئهم فحاربوا الزندقة والتحلل ولكن يؤخذ عليهم حين دانت الدولة بمبادئهم أنهم لم يفرقوا بين درء المنكر من تهتك وفجور وبين اضطهاد المخالفين في الرأي فكان لبطشهم شهداء ومضطهدون أثاروا عطف الناس وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ، ومن ثم لحقتهم وصمة التعصب ، وكان أجدر بهم باعتبارهم عقليين أحرارا أن يكونوا رواد حقيقة ودعاة أخلاق . أما إذا كانت الأخلاق علما عمليّا فلا يكفى فيما يتصل بالفضيلة أن نعلم حقيقتها ، إنما أن نروّض أنفسنا على اتباعها ، فهل النزعة العملية تصلح كباعث كاف لممارسة الفضيلة ؟ لا شك أنه لا بد أن يفسح للعقل مكانة تليق به في مجال الأخلاق ، ولكن هل الإقناع كاف للعمل وهل الفكرة ملزمة للإرادة ؟ إنه مهما اكتسبت الأفكار من حق فإنه ليس في وسعها أن تنطوى على لزوم تحقيقها ، ذلك أن الإلزام الخلقي لا يمكن أن يشتق من مجرد الفكرة المحضة على حد تعبير برجسون « 2 » ، إننا قد نعجب بالفلسفة الخلقية القائمة على أسس عقلية ولكنه إعجاب التأمل وليس ذلك كافيا لإسكات نزعات الهوى والأثرة والرذيلة ، إنه إن صح الإذعان للمنطق في ميدان النظر فليس للمنطق كل هذا السلطان في ميدان العمل ، ومن
هامش
( 1 ) الزمخشري : الكشاف - ح 1 ص 135 . ( 2 ) برجسون : منبعا الأخلاق والدين - ص 95 .