ثم فإن الأساس العقلي وحده لا يكفى لقيام الأخلاق ، ذلك أرسطو بعد الجهد الخلاق الذي أقامه بكتاب الأخلاق يختتم صفحاته بعبارات تنم عن الأسف : لو كانت الكتب والخطب وحدها تكفى لردنا أخيارا لكانت مطلب الناس جميعا . . . إن كل ما في وسع المبادئ أن تحققه في هذا الصدد هو لسوء الحظ أن تشد عزم فتيان كرام على الثبات في طلب الخير وترد القلب الشريف بفطرته صديقا للفضيلة وفيّا لعهدها « 1 » .
ولكن ما الذي يعوز المبادئ إذا لم تكن تكفى لإقامة الأخلاق وممارسة الفضيلة ؟ وإذا كانت هذه المبادئ عاجزة عن أن تحول الشرير خيرا فهل يمكن أن تصبح الفلسفة الأخلاقية مجرد ترف عقلي وتقطع صلتها بالعمل ؟
ليس للعقليين بما في ذلك المعتزلة إجابة شافية على السؤال ولا يمكن بحال أن نجد هذه الإجابة في نزعة عقلية بحتة تعنى بالنظر على حساب العمل ، ويبدو أن هذه الإجابة لن نجدها إلا في ثنايا مذهب آخر يغلب جانب العمل على العلم والإرادة على الفكرة ، مذهب تكون أولى مقدماته : أنا أريد لا أنا أشك أو أنا أنكر أو أنا أعرف ، ذلك هو مذهب الذوقيين الذين اتخذوا من الأخلاق رياضة ومن ممارسة الفضيلة تذوقا .
هامش
( 1 )013 - 903 . P . P oI . B hcihtE : eltotsirA .