العمر بقية « 1 » إنه إن علم فإن ذلك يدعوه إلى أن يتجنب المحارم رجاء أن يتوب آخر عمره « 2 » .
ويتفق المعتزلة والأشاعرة أن الإنسان يموت بأجله ولكن الخلاف بينهم حول القتل ، هل يقال إن المقتول قد مات بأجله وإنه كان سيموت حتما لو لم يقتل ؟ ومن ثم يكون القاتل ملجأ لأن الذي حمله على قتل المقتول حضور أجله فلا إثم في ذلك عليه ؟ أم كان سيعيش لو لم يقتل فيكون في ذلك خلاف معلوم اللّه ومراده ؟
يمنع المعتزلة قول المجبرة والأشاعرة أن كل مقتول قد قتل بأجله وأن القاتل لا يقدر على أن لا يقتله في تلك الحال كما لا يقدر على قتل من لم يحضر أجله « 3 » ، وواضح أنهم يريدون أن لا يعفوا القاتل من مسؤولية القتل بحال ، فذلك يعارض اتجاهاتهم في الحرية والتكليف ، وينقضه الإجماع بذم القاتل .
ولكن هل كان سيعيش لو لم يقتل ؟ نسب الإيجي إلى المعتزلة القول إنه كان سيعيش لو لم يقتل ، إلا أن هذا هو أجله وادعوا في ذلك الضرورة . « 4 » وتعنى عبارتهم أنهم إذا كانوا يمنعون القول أنه كان سيموت لا محالة لولا القتل فإنهم لا يجيزون القول إنه كان سيعيش لا محالة من حيث استحالة أن يكون للإنسان إلا أجل واحد « 5 » .
هكذا لم يدع المعتزلة ظاهرة إلا فسروها في ضوء اتجاهاتهم الأخلاقية ، بل لم يفتهم أن يجعلوا في كتمان الأجل عن الإنسان مغزى خلقيّا ، فجعلوا للإرادة الإلهية نفاذها وقداستها واحتفظوا للقيم الخلقية بسموها ونزاهتها .
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار : المغنى ص 272 .
( 2 ) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة ص 637 .
( 3 ) المغنى : جزء 11 ( الأسعار - الأرزاق - الآجال )
( 4 ) الإيجي : المواقف ص 319 .
( 5 ) المغنى : جزء 11 الآجال - ص 5 ظ و 6 و ( مخطوط )