تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أشد حرصا على الدين من المعتزلة في قولهم الرزق رزق اللّه بصرف النظر عن توافر جانب حسن النية في الموقف الأشعري إذا قورنوا بمعاوية وكما أن رأى أبي ذر قد صدر عن فهم سياسي عميق فإن رأى المعتزلة صادر بلا شك عن موقف أخلاقي سام . وإذا كان الموقف المعتزلي يثرى جوانب الحياة بمحتوى أخلاقي دون مساس بالإيمان باللّه ، فإنه كذلك يسمح بقيام مختلف العلوم على أسس عقلية دون إنكار للّه . فالظواهر تحكمها قوانين أو علل ضرورية بما طبعها اللّه عليها بعكس الموقف الأشعري الذي لا يثبت إلا إرادة اللّه فيجعل إمكان قيام العلم متعذرا ، ففي علم الاقتصاد اللّه هو المسعّر لدى الأشاعرة « 1 » وبذلك ينتهى القول في هذا العلم ولكن رأى المعتزلة يدع الإمكان قائما بقولهم السعر فعل مباشر من العبد إذ ليس ذلك إلا مواضعة منهم على البيع والشراء بثمن مخصوص « 2 » ، فهو تقدير الثمن الذي تباع به الأشياء على وجه التراضي ، ويستقصى المعتزلة البحث في الرخص والغلاء وأسبابهما « 3 » ، ولست بصدد عرض رأيهم في المسائل الاقتصادية ولكن الذي يهمني هو استخلاص المغزى الأخلاقي في ذلك ، فهم يأبون أن يكون المسعّر هو اللّه حتى إذا حبس التجار السلعة عن الناس لزيادة السعر يكون الغلاء - حسب ما يلزم عن رأى الأشاعرة - من اللّه ومن ثم فلا حرج على التجار ، ولعل ظروف عصرنا الحديث تجعلنا نلقى بثقلنا كله مع المعتزلة نؤيدهم في رأيهم إلى أقصى الحدود ! ! وليست مظاهر الحياة وحدها هي التي تفسر في ضوء الأخلاق وإنما لا يخلو الموت من مغزى ، فقد غيّب على الإنسان معرفة أجله وفي ذلك مصلحة حتى لا يكون في العلم إغواء بالقبيح والمعاصي إذا علم أن في
هامش
( 1 ) الإيجي : المواقف ص 317 . ( 2 ) القاضي عبد الجبار : المغنى جزء 11 ( الأسعار - الأرزاق - الآجال ) . ( 3 ) المرجع السابق .
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 189 | أحمد محمود صبحي