ويشير خصومهم من المعتزلة عليهم زوبعة ويلزمونهم أن من ولد في بيت لصوص وعاش بين قطاع طريق يأكل من حرام حتى مات فإن اللّه لم يرزقه قط « 1 » .
وليس من مسوغ لهذا النقد ، لأن المعتزلة قد أثبتوا أن اللّه خالق الأرزاق كما أنه خالق الأجسام « 2 » ، ولكنهم لا يسمحون بأن يكون هذا القول ذريعة للمعاصي وأكل الحرام ، وذلك ما يسمح به الموقف الأشعري الذي يثبت أن كل ما أنعم به على الانسان في الحال والمآل وكل ما يتغذى به من حلال أو حرام فهو رزق اللّه ، ولذا فإن بعض معتدلى الأشاعرة أنفسهم لا يسوغون ذلك ، إذ النعمة عند الشهرستاني ما كانت محمودة في العاقبة كما أن الرزق ما يكون مباحا شرعا ، ثم يرى أن كلا الرأيين صحيح وأن الاختلاف بينهما في اعتبار الخصوص والعموم ومن ثم لا مشاحة في المواضعات « 3 » .
ولكن الخلاف ليس شكليّا أو لفظيّا وإنما يعبر عن اختلاف في التفكير ووجهات النظر بين من لا يسمحون بحمل الذنوب على اللّه أو يدعون ذريعة إلى المعاصي وأكل الحرام وبين من جعلوا اسم اللّه إجابة لحل كل مشكلات العلم والعمل على السواء ، بين قوم نزهوا اللّه حقّا وبين قوم تصوروا أنهم يعظمون اللّه .
وللموقف المعتزلي في التاريخ السياسي للإسلام نظير حين وقف أبو ذر يعارض معاوية في قوله : المال مال اللّه لأنه بثاقب فكره قد فهم أن معاوية يقول ذلك ليحتجنه عن الناس مدعيا خلافته عن اللّه في المنع والعطاء بعد أن محا اسم المسلمين مضافا إلى المال ، وكما أن معاوية لم يكن أشد إيمانا من أبي ذر في قوله المال مال اللّه فكذلك الأشاعرة ليسوا
هامش
( 1 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 261 .
( 2 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين جزء 1 ص 296 .
( 3 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 415 .