الفصل الخامس مفاهيم أخلاقية لما يتعلق بمعاش الإنسان ومماته :
الأرزاق - الأسعار - الآجال تتجلى خصوبة التفكير المعتزلي فيما أفعم به شتى جوانب الحياة الإنسانية بمضامين أخلاقية ، فليس الاتجاه الأخلاقي عندهم في مجرد تقييم الأفعال الإنسانية وإنما أضفوا على كل ما يتعلق بمعاش الإنسان معنى أخلاقيّا .
فالرزق أهم مظاهر معاش الإنسان ، إنه من خلق اللّه « 1 » ، على أن ذلك لا يبرر الغصب ولا الرزق الحرام ، فمن غصب إنسانا مالا أو طعاما فأكله . فقد أكل ما رزق اللّه غيره ولم يرزقه إياه ، ذلك أنهم أجمعوا على أن اللّه لا يرزق الحرام ، كما لا يملّك اللّه الحرام وإنما رزق اللّه الذي ملّكه إياهم دون الذي غصبه .
ورأى المعتزلة في الرزق يتسق تماما مع منطق مذهبهم ، حيث لا يفعل اللّه القبيح ولا يريده ، ولما كان الرزق الحرام قبيحا فاللّه غير فاعل إياه ، إنه كسائر المعاصي لا يريدها اللّه ولا يريد الأسباب المتوسطة فيها أو المؤدية إليها ، فلا يقال : إن اللّه يرزق الحرام بل الجائز فقط أن اللّه يرزق الحلال أما الحرام فيكتسبه العاصي بنفسه ، كذلك لا يقال لقاطع الطريق إنه يقطعه بعون من اللّه ، لأن اللّه لا يخلق الذنب ، واللّه خلق العنب ولكن الإنسان هو الذي صنع الخمر « 2 » .
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 296 .
( 2 ) جولدتسيهر : مذاهب التفسير الإسلامي ص 192