الأشاعرة وإنما الإنسان هو وحده الحر من حيث هو مكلف .
وخلاصة القول إن اعتراضات الأشاعرة على المعتزلة باسم إثبات إرادة اللّه وتقرير مطلق مشيئته تضع إشكالات يتعذر حلها بالنسبة لتكليف الإنسان والوعد والوعيد والمسؤولية والجزاء ومن ثم فإنها لا تدع مجالا على الإطلاق لإمكان قيام علم بالأخلاق .
ونظرا لأن آراء المعتزلة لم تصلنا حتى وقت قريب جدّا إلا من خلال كتب الأشاعرة فإن حملاتهم قد أخفت حقيقة آراء المعتزلة بما أثارته من غبار كثيف حولها تعذرت معه الرؤية السليمة فاختفت المعالم الأخلاقية للاتجاهات المعتزلية ، لقد جروا الباحثين معهم إلى دوامة ليس لها قرار من جدل حول : أجبر أم اختيار ، ولم يظهر المعتزلة كفلاسفة جعلوا جوهر الدين أخلاقا وإنما كأهل زيغ ينتقصون إرادة اللّه ويعطلون قدرته ، لقد حجّروا - أي الأشاعرة - رحمة اللّه حين حجروا على حرية الإنسان باسم المشيئة الإلهية فحالوا دون قيام علم للأخلاق فكان حالهم في ذلك كحال رجال الكنيسة في العصور الوسطى حين حالوا دون تقدم العلم باسم الدين .
ومن ناحية أخرى فإن أكبر اتهام يوجه للإسلام وإليه يعزى تأخر المسلمين من جانب المستشرقين هو القول إنه دين الجبر ، والحق يقال إنه يتعذر تماما الدفاع عن هذا الاتهام من زاوية العقائد الأشعرية أو من خلال كسب الأشعري ، ولقد كان المعتزلة وحدهم قادرين على رد هذا الاتهام ولكنهم أصبحوا في قفص الاتهام لأنهم أعلنوا حرية الإنسان ومن المؤسف حقّا أن يكونوا وحدهم في الميدان « 1 » !
وإذا كان اللّه في غير حاجة إلى الدفاع عن عدله بإنكار وجود الشر في العالم فإنه تعالى كذلك في غير حاجة إلى الدفاع عن مطلق قدرته بالتضحية بحرية الإنسان .
هامش
( 1 ) استدراك : احتضن الشيعة وخصوصا الزيدية آراء المعتزلة بما في ذلك حرية الإرادة أما الإسلام السنى فلا أحد .