قصد الزارع بينما ينسب الإبحار إلى السفينة والنمو إلى الزرع ، واللّه خالق السواد في الشئ الأسود والحلاوة في العسل ثم تنسب هذه الأشياء إليها ، كذلك الحركة صفة لمن تحرك لا لمن خلق الحركة والوالد لمن له الولد لا لمن خلق الولد . . . كذلك أفعال الإنسان كلها بخلق اللّه وإرادته وإن كانت مضافة إلى الإنسان ، فاللّه خلق الظلم ظلما للظالم به وخلق الجور جورا للجائر به وخلق الكذب كذبا للكاذب به كما أنه خلق الظلمة للمظلم بها وخلق الضوء ضوءا للمستضىء به « 1 » .
وإذ يسوّى هذا الرأي بين أفعال الإنسان وبين صفات الأجسام فلا يكون للفعل الإنسانى معنى زائد عما عداه من صفات وحركات لسائر الموجودات فإنه يستحيل قيام علم الأخلاق .
وعند الأشاعرة لا يحصل المدح والثواب والذم والعقاب بفعل الفاعل منا بل بحكم اللّه فينا ، فالإنسان يذم ويعاقب بفعله السيئ تماما كما تجب الدية على العاقلة بقتل غيرها خطأ وإن لم تفعل العاقلة شيئا تستحق به إيجاب ذلك ، هكذا تستوى أفعال الإنسان بأفعال الحيوان عند الأشاعرة لا فرق ، فكيف يتسنى بذلك قيام علم للأخلاق الإنسانية إذا كانت جميع الأحكام في الدنيا إنما تجب وتستحق بإيجاب اللّه تعالى وإرادته لا بكونها مرادة للفعل « 2 » ، ويتهم الأشاعرة المعتزلة بالتسوية بين أفعال الإنسان وحركات الحيوان ، فالبهائم تفعل أفعالا لم يردها اللّه ولو أراد فعل غيرها منهم لم يحصل ذلك له لامتنع عليه « 3 » ، ولا ينطوى هذا الرأي على مغالطة فحسب بل إنه ينطوى على سوء فهم لموقف المعتزلة ، فأفعال الحيوانات كلها مقدورة للّه عند المعتزلة لا يختلف رأيهم في ذلك عن
هامش
( 1 ) الباقلاني : الإنصاف ص 154 - 157 .
( 2 ) الباقلاني : الإنصاف ص 155 .
( 3 ) المرجع السابق : 157 - لانتقادات الأشاعرة لقول المعتزلة بحرية الإنسان انظر اللمع والإبانة للأشعرى والإرشاد للجويني والإنصاف للباقلاني ونهاية الإقدام للشهرستاني والفصل لابن حزم .