ميتافيزيقية من حيث هي أنطولوجية ، أما الإرادة والاختيار والفعل فكلها متعلقة بالأخلاق ، وذلك أساس الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة ، نقل الأشاعرة عن قصد أو غير قصد مشكلة الحرية من مجال الأخلاق إلى مجال الميتافيزيقا أو من نطاق الفعل إلى نطاق الوجود فاصطدمت لديهم حرية الإنسان بمشيئة اللّه ومن ثم كان اتهامهم لمن يثبت حرية الإنسان بأنه منتقص لمشيئة اللّه معجز لإرادته .
ومن ثم فإن جميع المذاهب التي حاولت التوفيق بين قضاء اللّه وبين قدرة الإنسان لم تنجح ابتداء من كسب الأشعري إلى أسباب ابن رشد ، لأن محاولة التوفيق تتضمن اعترافا بالتعارض ، والتعارض قائم ما دام الطرفان في مستوى أو نطاق واحد هو مجال الميتافيزيقا ، ومن ثم اضطرت هذه النظريات التوفيقية أن تضحى بالقدرة الأدنى لإثبات قدرة أتم وأسمى ، ولم تعد هذه المحاولات للتوفيق في نهاية الأمر إلا صورا للجبر ، أما أن كسب الأشعري من صور الجبر فذلك رأى الرازي « 1 » وابن تيمية « 2 » ، أما المعتزلة فقد صادروا على حرية الإنسان في أصل يتصل بالعمل ( العدل ) وأثبتوا قدرة اللّه في أصل متعلق بالاعتقاد ( التوحيد ) فلا مبرر للتعارض لاختلاف المجالين .
وإذا كانت كتب الأشاعرة قد زخرت بنقد فكرة خلق الإنسان لأفعاله ، فهذه الانتقادات لا تدخل في دائرة البحث الأخلاقي بل هي انتقادات بالنسبة للفهم الحقيقي لوجهة النظر المعتزلية تعد غير ذات موضوع .
ولا يفرق الأشاعرة في انتقاداتهم بين أفعال الإنسان الإرادية وبين صفات الجمادات وحركات العجماوات من حيث نسبة الصفة إلى المتصف بها ، فالسفينة تمخر يمنة ويسرة حسب قصد الملاح والزرع ينمو حسب
هامش
( 1 ) الباقلاني : الإنصاف - هامش ص 45 .
( 2 ) ابن تيمية : وتلخيص الحافظ الذهبي : المنتقى ص 49 .