المقدمة الرابعة : هل تستند شبهات خصوم المعتزلة حول الحرية إلى أسس أخلاقية .
يعبر المعتزلة عن وجهة النظر العقلية بين المذاهب الأخلاقية ، ولقد انتقد الحدسيون والتجريبيون على اختلاف نزعاتهم الاتجاه العقلي في الأخلاق ، فهل تمثل انتقادات الأشاعرة وحملاتهم العنيفة وجهة نظر أخلاقية ؟ هل تعبر شبهاتهم عن مذهب أخلاقي معين ؟
وأول الشبهات نقدهم نسبة الخلق إلى الإنسان أي القول إن أفعال العباد مخلوقة لديهم ، بينما الخلق صفة للّه فحسب « 1 » ، ونسبة هذا القول إلى المعتزلة خطأ بالرغم من كل ما ورد حول ذلك في كتب الأشاعرة ، إذ لا يعتبر المعتزلة الإنسان خالقا لأفعاله بل مريدا لها مختارا إياها ، فهم قد منعوا إطلاق صفة الخلق على الإنسان لأن الخلق لا يكون إلا بغير آلة ولا جارحة وذلك من الإنسان مستحيل « 2 » كما أن الخلق يقتضى في رأيهم أن يكون الفعل دائما موافقا للمصلحة « 3 » وهذا ما يعوز الإنسان ، ومن ثم فقد ذهب المعتزلة إلى أن الإنسان مريد لأفعاله مختار لها وأن جميع أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم وأن اللّه جل وعز أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها ولا محدث سواهم ، يقول الأشعري : قالت المعتزلة إن الإنسان فاعل محدث مخترع منشئ على الحقيقة دون المجاز « 4 » .
ومع أن اللغة قد تسمح بإطلاق لفظ الخلق على أفعال الإنسان « 5 » فإن المشكلة ليست لفظية لأن الخلق يتعلق بالوجود ، فمشكلاته وموضوعاته
هامش
( 1 ) الباقلاني : الإنصاف ، ص 152 .
( 2 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 1 ص 273 .
( 3 ) القاضي عبد الجبار : شرح أبى هاشم - شرح الأصول الخمسة ص 138 .
( 4 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 2 ص 197 .
( 5 ) شرح الأصول الخمسة ص 380 .