تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
إنه يقدر على المراد فحسب من حيث إن فيه قدرة لها يكون المراد ، غير أن بعضهم قد ذهب إلى استحالة القول إن الإنسان يقدر عليه أو على خلافه حال الفعل لأنه فيه بمنزلة رجل أرسل نفسه من شاهق في الهواء فلا يقال إنه يقدر على السقوط ولا على الكف عنه « 1 » . ويبدو أن الجبائي وحده قد أطلق الإرادة على تلك اللحظة من التنفيذ فجعل الإرادة مصاحبة للمراد حيث يحصل الفعل ويكون محلا للحكم الخلقي والشرعي . وليست مسؤولية الإنسان على الفعل فحسب ، وإنما تمتد إلى تلك اللحظة من الإرادة التي تكون عندها عزما على الفعل وقصدا إليه ثم حالت العوائق الخارجية دون تنفيذه ، فالعازم على الفعل كالمقدم عليه ، فإذا عزم الإنسان على قتل إنسان آخر ولكنه لم يقتله بالفعل بأن منعته موانع من هذا العمل فهو آثم « 2 » . ولا يعجب الأشاعرة هذا التحليل الذي يهدف إلى تقرير حرية الإرادة ومن ثم فإنهم ينقدونه بتقرير أن الإرادة تحصل مع الفعل طالما أن الفعل من اللّه خلق وإرادة ومن العبد مجرد اكتساب ، وبالرغم من تعمق المعتزلة في هذه النواحي النفسية فإنه يجب أن نقرر أنهم لم يكونوا يهدفون إلى غاية علمية وإنما كان الغرض من تحليلهم للإرادة تدعيم فكرة الحرية ، إن وجهة النظر الخلقية على حد تعبير الدكتور ألبير نصرى كانت تتغلب أحيانا على وجهة النظر العلمية البحتة « 3 » . وعلى أية حال فقد استند المعتزلة إلى علم النفس لتقرير مبدأ الحرية من حيث إنهم ربما قد شعروا أن الأدلة السلبية وبراهين الخلف قد لا تكون كافية للتدليل على الحرية في مجال الحجج الجدلية .
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين جزء 2 ص 91 . ( 2 ) المغنى : جزء 6 ( الإرادة ) ص 96 . ( 3 ) دكتور ألبير نصرى نادر : فلسفة المعتزلة ج 2 ص 52 .