الثانية : إلى أي حد تكون مسؤولية الإنسان عما يريده .
وللرد على السؤال الأول يتساءل المعتزلة هل الإرادة موجبة لمرادها ؟
فيذهب قدماء المعتزلة مثل أبى الهذيل والنظام ومعمر وجعفر بن حرب إلى أن الإرادة التي يكون مرادها بعدها بلا فصل موجبة لمرادها ، ويذهب بشر بن المعتمر وعباد بن سليمان وجعفر بن مبشر وأبو علي الجبائي إلى أن الإرادة ليست موجبة لمرادها « 1 » ، الواقع أن ليس بين الفريقين اختلاف ، ومرحلة الإرادة التي تسبق الفعل بوقت وتسمى عندهم عزما ليست موجبة لمرادها بل إن العزم نفسه لا يتم إلا بعد تردد في تنفيذ فعل وتفكير فيه ، فلا عزم إلا بعد تردد وتفكير ، ومن ثم فإن إرادة الإنسان ليست من جنس إرادة اللّه حيث لا عزم ولا تردد ، ويسترسل المعتزلة في تحليل هذه المرحلة الهامة من الإرادة لأنه عندها تتمثل الحرية حيث التردد بين الدواعي والصوارف وحيث يكون الترجيح فيكون العزم ، فإذا عزم الإنسان فقد يزمع وقد يقلع فهو لا زال حرّا طالما أن العزم يسبق الفعل بوقت ، تلك هي مرحلة الإرادة التي لا توجب مرادها حيث الإنسان يريد في الوقت الأول ويفعل في الوقت الثاني ، هذا ما أجمعت المعتزلة عليه إلا الجبائي ، فالإنسان عندهم يريد أن يفعل ويقصد إلى أن يفعل وإن إرادته لأن يفعل لا تكون مع مراده ولا تكون إلا متقدمة للمراد « 2 » .
وإذا كان العزم هو توطين النفس على الفعل بعد تردد فإنه لا يخرج إلى حيز التنفيذ إلا بقدرة واستطاعة « 3 » ، فالإنسان في حاجة إلى الاستطاعة قبل الفعل ليحصل بها إيجاده .
واللحظة الأخيرة من العزم هي التي تكون فيها الإرادة موجبة لمرادها بلا فصل ، ولا يقال عندها يقدر الإنسان على أن يفعل خلاف ما أراد ،
هامش
( 1 ) الأشعري : مقالات الإسلاميين ج 2 ص 197 .
( 2 ) المرجع السابق : ج 2 ص 90 .
( 3 ) الشهرستاني : نهاية الإقدام ص 240 .