ثانيا : إن القول باستغناء المسلمين بالكتاب والحديث عن كل نظر فلسفي في الأخلاق يتضمن تجاهلا تامّا لتطور الزمن وتغير مقضيات الحياة في بيئة صادفت المشكلات السياسية والاجتماعية وما يلزم عنهما من نظر أخلاقي ، كل ذلك مما لزم عن التوسع الإسلامي والامتزاج الحضارى والثقافي ، وأقرب مثال لذلك مقتل عثمان وما لزم عنه من بحث حول فاعل الكبيرة ، إنها مشكلة سياسية لزم عنها تفكير ديني لا يخلو من جانبه الأخلاقي ، إن ظروف الحياة قد أكرهت المسلمين على الاجتهاد حتى في الفقه ، ولولا التغير وتجدد المشكلات لكان التعبد بالنص ليس غير ، فكيف يكتفون بالنص إزاء مشكلات أخلاقية متجددة ، إن صدق القول بالاكتفاء بالنص على جيل الصحابة فهو لا يصدق على ما تبعه من أجيال في شتى ألوان المعرفة أو العبادة .
ثالثا : لم يكن الدين حجرا على العقلية الإسلامية في البحث والتفكير ، فقد اشتملت الثقافة الإسلامية على علوم لا تكاد ترتبط بالدين كالفلك والكيمياء والرياضيات ، فكيف يحول دون البحث في المشكلات الأخلاقية مع أن الأخلاق بطبيعتها أقرب العلوم إلى الدين ، لقد اقترن الإيمان في الكتاب الكريم غالبا بالعمل الصالح دلالة على ما بين الإيمان والاخلاق من وشائج وصلات وإشارة إلى ضرورة اقتران الإيمان بالعمل الصالح كشرط للثواب ، إن قصص الأنبياء مع أممهم تفيد غالبا أن غضب اللّه لم يكن للشرك به فحسب وإنما لإصرار هذه الأمم على الشرور والمنكرات ، وليست الأوامر الإلهية متعلقة بشعائر تعبدية فحسب ولكنها تنطوى على فضائل أخلاقية ، كذلك المحظورات الدينية غالبا لها دلالات أخلاقية ، وأحاديث الرسول في الأخلاق كثيرة ويكفى بهذا الصدد أنه حدد هدف الرسالة فجعله أخلاقيّا في قوله : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، كل ذلك يكفى ليحفز همم المسلمين ويستثير تفكيرهم إلى النظر الأخلاقي .
أريد أن أذهب إلى استقصاء اتجاهات الفكر الإسلامي غير قانع بما
الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي — صفحة 17
مساهمون: أحمد محمود صبحي
ص١٧